قراءة في الذاكرة
تتجلّى أيام الله بالمناسبات الدينية: عاشوراء، المولد النبوي الشريف، الإسراء والمعراج، ليلة النصف من شعبان، صيام رمضان، عيد الفطر، الحج، عيد الأضحى، العشر الأواخر، العشر الأوائل، والجمعة والاثنين والخميس. هذا الجلال يجعل مرورها على الناس سهلاً، ويكرّس الإخاء الزمني على اعتبارها فرص عبادة، وليست مجرد حالة عمرية أو أجزاء تاريخية من كل أبدي.
ومن الملاحظ توقيت المناسبات الاجتماعية في أيام الفضل، واعتبار الموت فيها بشارة خير وذكرى حسنة. وليست الوظيفة المنوطة بالزمن مجرد تسهيل المواقيت.
لذا ينبغي ألا نحشوا هذه الأيام بالمقولات المكرورة، ولا نخلط بين الديني والاجتماعي، حتى لا نتجرأ على هيبة المقدس.
إذا لم نفهم الزمن على هذه الحالة، فسنسعى لللحاق به في امتداده، وليس في تاريخه؛ فالفعل (كان) ثقيل ومرهق رغم بعض الطفرات والفواصل الناجزة. هذا الفهم يشبه عقد صفقة مربحة مع الزمن، يتيح لك من مواسم العبادات والأفراح ما يشغلك عن عدّه وافتعال حروب خاسرة معه.
نستقبل رمضان اليوم بإعداد قوائم الطعام والشراب وعروض المسلسلات، وكأنّه موسم تجاري، وكان الأولى أن نستقبله بالدعاء والتهيؤ النفسي. هناك فروق بين رمضاننا اليوم ورمضان جيل الطيبين، فروق في الشكل والأيقاع ووسائط الاستقبال والاستعداد. فقد انتقل من (اللمة) إلى (الأحادية)، ومن كونه حدثًا اجتماعيًا إلى كونه موسمًا استهلاكيًا يقاس بالوفرة لا بالبساطة.
كنا نتصدق من الموجود وهو قليل، أما اليوم فنزايد على امتداد (السفرة) وتنوعها في مظهرية تُلهينا عن جوهرها.
لسنا هنا لنجادل في مدى احتفاء المسلمين بأيام الله المفضلة، أو في مصداقية النيات، أو شيوع الفرح وعمقه باستضافة رمضان؛ فالناس قبل وبعد، مؤتمنون على عقائدهم وآمنون في رحاب ربهم. نحن هنا نقرأ الحالة من حيث الشكل، وما أصابها من متغيرات باعدت بينها وبين الفطرة السليمة.
هل كان الماضي أفضل؟
ليس بالضرورة، لكنه كان أصدق، وأقرب إلى روح الصيام، لأن الحياة نفسها كانت أبطأ، والناس أقل انشغالًا، وأكثر حضورًا مع بعضهم.
ولم يكن راشد الخلاوي يقصد بفلسفة الزمن، بل كانت تجربته الشعرية في حدود واقعه:
نعد الليالي والليالي تعدنا
والأعمار تفنى والليالي بزايد
وحكت شهرزاد ألف ليلة وليلة، ولم يبلغ شهريار اليقين؛ حتى جاء من حدثه من أخبار النهار ما مسكت عنه شهرزاد.
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب