نستقبل بعد عدة أيام شهر فضيل ، شهر رمضان ؛ شهر الخير والصيام ، شهر القرآن والقيام ، فهو مدرسة كبرى ، يتعلم فيها الصائم الكثير من الدروس والعبر ، والتي من أمثلها ماتعلمته شخصياً في هذا الشهر المبارك ، والذي قال عنه النبي ﷺ :
” مَنْ صَامَ رَمَضَـانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَـابًا ، غُفِــرَ لَهُ مَا تَقَـدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ” .
لَكَ الأرواحُ يا رمضانُ تَهفو
وتَغتَسِلُ النُّفوسُ وتستقيمُ
*********
لَئِنْ أقبَلْتَ مُشتاقًا إلينا
فَعَلَى قلوبِنا شَوقٌ عظيمٌ
علمني رمضان : الصبر وهو عبادة ، وحسن الظن بالله وبداية لكل طمأنينة ونهاية لكل ضيق ، وأساس لكل خُلُقٍ جميل ، ووسيلة إلى التنزه عن كلِّ خُلُقٍ ذميم ، ولعظم شأنه تكرر ذكره في القرآن الكريم أكثر من سبعين مرة ، بألفاظٍ مختلفة ، فهو مِن عزائم الأمور ، التي يجب الحرص عليها والعزم على أدائها ؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى:43].
وكيف لا يتخلق المسلم بالصبر ، والصبر من أخلاق الأنبياء والمرسلين ، فقد قال سبحانه وتعالى عنهم: ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنبياء: 85].
وقال عز وجل لنبيه الكريم محمد ﷺ: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ﴾ [الأحقاف: 35].
ولي في الصبرِ مدرسةٌ أراها
وأسمعُ بعضَ مَن غنِموا جَناها
*********
يُعاني مَن يُعاني وهو يدري
بِعاقبةٍ تؤولُ لِمُنتهاها
*********
ومَن جزِعوا ومن صبروا سواءٌ
يدُ الأحداثِ تطحنهم رحاها
*********
ويُجزى الصابرونَ بِلا حسابٍ
وغيرُ الصابرينَ لهم سِواها
علمني رمضان : المحافظة على الأوقات فهي ركيزة أساسية للعبادة والتقرب إلى الله ، وباستغلال أيامه ولياليه ، وعُدَّ الساعاتِ له كيما تستثمرَ فيه كل لحظة ؛ فإن لله فيه نفحاتٍ ورحماتٍ ، وما تدري لعل الله أن ينظرَ إليك فيها فيقول لك بعدها: اصنَعْ ما شئتَ ؛ فإني قد غفرتُ لك ، فالواجب وضع جدول يومي دقيق ، وتجنب المشتتات ، وتخصيص أوقات للقرآن والأذكار ، مع تحقيق توازن بين العمل ، والعبادة ، والنوم ، والابتعاد عن تضييع الساعات في اللهو أو النوم المفرط .
والوقت أنفس ماعنيت بحفظه
وأراه أسهل ماعليك يضيع
علمني رمضان : الإحساس بجوع الفقراء : فصوم رمضان يهدف لتعزيز الشعور بالآخرين ، وتقوية الروابط الاجتماعية ، حيث يشعر الغني بحال الفقير ، وكيف يعاني الجوع والحاجة ، مما يدفعه إلى التعاطف مع الفقراء ويدعوه ذلك للبذل والعطاء والإحسان إليهم ، ويبعث في الإنسان الشعور والأحاسيس الدينية والإنسانية والرقة واللين، ويُلهم صفة الشكر ، وضرورة دعم الآخرين والمحتاجين ، من الأيتام والفقراء والمساكين:
رمضان أوشك أن يطل قريبا
ويلوح للدنيا سناه مهيبا
*********
فتفقدوا الفقراء يا أحبابنا
فالفقر أضحى في النفوس رهيبا
*********
كم أسرة تحيا عذابا دائماً
وتعيش بؤساً موجعاً وكئيبا
*********
من حقهم يا إخوتي أن تجعلوا
في سعيكم للمعدمين نصيبا
*********
قبل الصيام تحسسوا أوجاعهم
طوفوا بهم تجدوا الإله قريبا
*********
فبهم وربي تنصرون كما حكى
طه.. ليرشد للفلاح لبيبا
*********
يارب وفقنا لمسح دموعهم
ندعوك رباً واسعاً ومجيبا
علمني رمضان : المداومة على ورد القرآن: فشهر رمضان هو شهر القرآن اختصه الله -عز وجل- بنزول هذا الكتاب المبين فيه، وقال – سبحانه-:”شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ” (البقرة: من الآية185).
وهي العبادة الأعظم التي تحول الشهر إلى ربيع للقلب، حيث يُضاعف الأجر (عشر حسنات لكل حرف) وتُغفر الذنوب.
فيُستحب الإكثار من التلاوة والختم، اقتداءً بالسلف الذين كانوا يغلقون كتب العلم وينشغلون بالمصحف، مع الحرص على التدبر والتعلم،فمداومة قراءة القرآن في رمضان ليست مجرد ختمات، بل هي صلة بالله، ونور في الحياة، وطريق للاستقامة، ورحمة وهدى.
كُلّ السعادةِ في قراءةِ مصحفٍ
تحيا القلوبُ ويَستَريحُ المُتْعَبُ
*********
رَدِّدْ كَلامَ اللهِ في غَسقِ الدُجى
إِنَّ الذي هجر القُرآنَ مُعَذبُ
*********
قدْ أظْلمتْ هذي القلوبُ بِتَركِها
ذاكَ الكتاب فأصبحتْ تتلهبُ
*********
فَأَنر فُؤادكَ بالقرآنِ فإِنَّهُ
نِعمَ الضِياء هوَ الأنِيسُ الأَطْيبُ
علمني رمضان : الخلوة والدعاء : وهي من أعظم الأعمال لترتيب فوضى القلب ، حيث يُنصح بترك المشاغل والانفراد بالنفس للعبادة والذكر ، خاصة في العشر الأواخر ، لتقوية الإيمان والتعافي من ضغوط الحياة ، مع ضرورة الاجتهاد في الدعاء، والتضرع، وقراءة القرآن ، وتحري أوقات الاستجابة ، خاصة عند الإفطار وفي ثلث الليل الآخر .
ألجأ لربِّك إن ضَاقت بِكَ السُّبلُ
واسقِ الدُّعاءَ بما جَادت بِهِ المقلُ
*********
وكن على ثقة فيمَن تلوذُ به
سهمُ الدُّعاءِ إذا أطلقتَهُ يصلُ
والخلوة تجمع على العبد قلبه فيعينه ذلك على التفكر والتدبر ومعرفة الرب تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته ومحاسبة النفس والاستعداد للقاء الله عز وجل .
قال شيخ الإسلام – رحمه الله – : “ولا بد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه”.
وقال تلميذه الإمام ابن القيم – رحمه الله – : “ المحب يهرب إلى العزلة والخلوة بمحبوبه والأنس بذکره کَهرب الحوت إلى الماء والطفل إلى أمه”.
يقول الشاعر :
وأخرج من بين البيوت لعلني
أحدث عنك النفس بالسر خاليا
علمني رمضان : العطاء والبذل للمحتاجين: فهذا الشهر الكريم يتميز بمضاعفة الحسنات والأعمال الصالحة ، مما يجعله الوقت الأمثل للبذل والعطاء ، وخاصةً فيما يتعلق بالإحسان والصدقة ، فالإحسان والصدقة ركيزتان أساسيتان في الإسلام ، ويتضاعف أجرها في هذا الشهر الفضيل بشكل خاص ، مما يدفعنا إلى التحري عن أفضل السُّبُل لإقامة هذه الشعائر العظيمة.
ومن هذه الأمثلة العملية التي تجسِّد الإحسان والصدقة في شهر رمضان :
إطعام الصائمين ، ومساعدة المحتاجين ، وإخراج الزكاة لمستحقيها ، والتبرع للمشاريع والجمعيات الخيرية والتطوعية .
رمضانُ أقبلَ بالسكينةِ والتقى
فتطهّرتْ بالصومِ روحُ المؤمنِ
*********
فيه الجوارحُ تستريحُ عن الهوى
ويعيشُ قلبُ العبدِ عيشَ الآمنِ
علمني رمضان : الإنضباط والتقليل من شهوات النفس البشرية: فهو شهر يُعد مدرسة تربوية متكاملة ، تهدف إلى تعزيز الانضباط الذاتي والتقليل من شهوات النفس البشرية من خلال الامتناع عن المباحات (كالطعام والشراب) نهاراً ، مما يعزز قوة الإرادة ، ويهذب الجوارح ، ويغرس الصبر ، ويحقق التوازن النفسي والروحي ، محولاً الصائم من أسير لرغباته إلى سيد متحكم فيها.
ويذكر الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدّين” مقولة يرشدنا فيها إلى خطوة عملية لضبط ذواتنا والسيطرة على رغباتنا ، يقول فيها : “فإنّ النّفسَ إذا لم تُمنَع بعض المباحات طَمِعَت في المحظورات”.
والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على
حُبِّ الرَّضاعِ وإن تَفطِمهُ يَنفَطِم!
فيجب على المسلم أن يستثمر هذا الشهر المبارك كأفضل استثمار حتى ينال عتق الرحمن ، والمغفرة من الذنوب والعصيان .
أسأل الله لي ولكم ولأهلنا وذرياتنا وكل من نحب أن يبلغنا شهر رمضان ، وأن يجعلنا فيه من عتقائه من النيران ، وأن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام والدعاء وسائر الأعمال .
🔘 *إضـــــــ💡ــــــــاءة*:
من أعظم ما تروّض عليه نفسك لاستقبال رمضان: عبودية الذّكر بشكلٍ دائم ؛ فذكر الله يفتح لك أبوابًا من التوفيق من حيث لا تحتسب ، فيطهّر قلبك من الشوائب ، ويجمع شتات القلب حتى يكون لله وحده.
✍️ منى الشعلان
٢٨ شعبان ١٤٤٧هـ
مقالات سابقة للكاتب