قراءة في الذاكرة
مرّت خليص بنقلات نوعية أجرت على تاريخها تبدلات، من قمة الشأن العام حتى قاعدته، على مختلف المستويات؛ سواء ما تعلق بالنظم الإدارية، أو المسارات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ويأتي على رأس قائمة هذه المنظومة الإجرائية فكّ الاشتباك بين خليص ورابغ؛ إذ كانت رابغ المرجع الرئيس والنافذ للقضاء والتعليم، تُرد إليها تسوية النزاعات والفصل في الخصومات، ومهام الإشراف على العملية التربوية. ولم تكن التبعية لرابغ (المكان)، بل لمشيخة (آل مبيريك)، تلك الأسرة التي تشرفت بارتداء الزي الرسمي، بولاء شيوخها لملوك المملكة العربية السعودية منذ عام 1343هـ؛ حيث ازداد وضع آل مبيريك عمقًا بالتحول من كونهم شيوخًا لرابغ بالعرف الاجتماعي إلى أمراء لها ولقبائل (زبيد) بشكل رسمي. وهي الأسرة التي أصبحت ذاكرة الأجيال، وحديث الرواة، ومادة التاريخ، وثناء الملوك.
وهنا نستطيع أن نفهم بوضوح تعالق رغبة أمير خليص مع مشروعية التحول في المرجعية من الفرع إلى الأصل، كما نفهم ضعف (المشيخات المحلية) في ضوء سلطة الإمارة الرئيسة، والصلاحيات المخولة لرؤساء المراكز في القرى. وحتى نستوفي معطيات هذا التحول نشير بإيجاز — إضافة إلى ما ذكرناه سابقًا — إلى التنافس؛ تلك الخاصية التي تتجاوز الشخوص إلى الأمكنة، بل حتى الأحياء. وهو مهماز في طلب المفاضلة، وسعيٌ مشكور.
ولم يكن بين رابغ وخليص مجرد جوار ومودة؛ بل مدينتان لهما سجل في التاريخ: خليص بحمولتها التاريخية منذ زمن النبي ﷺ، ورابغ بإسهامها منذ زمن المؤسس. غير أنهما تتسابقان على الأفضلية اعتمادًا على الموقع والتاريخ، وحظهما من عوائد العلاقات ومحاصيل التعليم. لذا تنزع بعض المنشورات في وسائل الاتصال إلى المقارنة، خاصة في مجالي الطب والهندسة. وفي هذا السياق تندرج فلسفة جائزة التميز التي اعتمدتها الدولة؛ وهي تقدير رسمي يهدف إلى تشجيع الأداء الاستثنائي، والابتكار، والجودة في مختلف المجالات.
أما النقلة الثانية في صناعة المستقبل فتبرز في التجديد الإداري، وهي هيكلة المحافظات. وتتكون المملكة العربية السعودية — ضمن نظام المناطق (13) منطقة — من تقسيمات إدارية وفرعية تشمل (150) محافظة و(1377) مركزًا، مصنفة إلى فئتين (أ) و(ب) بناءً على الكثافة السكانية، والخدمات، والوضع الإداري. ويرأس كل محافظة محافظ يرتبط بإمارة المنطقة. وكانت خليص ضمن التصنيف (أ) في مقاربة منصفة، وبينات من شواهد الأزمنة والأمكنة والشخوص.
وستبقى خليص حاضنة للتاريخ، بارة به، أمينة عليه؛ تُرسم على الخرائط، ويُكتب اسمها بكل أشكال الخطوط، وتُحزم في حقائب المسافرين من أبنائها وبناتها مع مصحف، ومسبحة، وسجادة صلاة، وأحلام وطن، ودعاء والدين — سواء للدراسة أو العمل داخل الوطن وخارجه.
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب