حين نفقد الإبداع…
لا نكون قد فقدنا الأفكار،
بل فقدنا الجرأة على مساءلتها،
وفقدنا الشغف الذي كان يمنحها الحياة،
وفقدنا الوعي الذي يوقظها كلما خبت.
الإبداع لا يختفي فجأة،
ولا يُسرق من العقول،
بل ينسحب بهدوء…
حين نطمئن للتكرار،
ونرتاح للتقليد،
ونستبدل التفكير الحقيقي
بطمأنينة السير مع القافلة.
وحين يشحّ الإبداع،
وتصبح الحاجة إليه ضرورة لا ترفًا،
يولد النقد.
لا يولد كخصومة،
ولا كاتهام،
ولا كسوطٍ نجلد به أنفسنا أو غيرنا،
بل يولد كوعيٍ جديد،
كصوت داخلي يسأل:
لماذا نفعل ما نفعل؟
ولماذا نكرّر ما نكرّر؟
ولماذا نُدرّب كما يُدرَّب الجميع؟
النقد البنّاء هو لحظة الشجاعة الأولى،
حين نخلع مجاملة الذات،
ونتخلّى عن وهم الاكتمال،
وننظر إلى أعمالنا كما هي…
لا كما نحب أن نراها.
في تلك اللحظة،
نكتشف نقاط قوة لم نكن ندرك قيمتها،
فنُحسن توظيفها بدل إهدارها،
ونواجه نقاط ضعف تجاهلناها طويلًا،
لا لأننا نجهلها،
بل لأن الاعتراف بها كان مؤلمًا.
نضيء زوايا أظلمها التكرار،
وخنقها الاعتياد،
وطمسها الخوف من الخروج عن المألوف.
زوايا لم تكن مظلمة لأنها خاطئة،
بل لأنها لم تُمنح فرصة الرؤية.
وهنا…
وهنا تحديدًا…
يموت الانقياد.
يموت الاتباع الأعمى،
وتنتهي عبودية “الأسلوب الناجح عند غيري”،
ويتوقف السير خلف مسارات لم نصنعها،
ولم نفهم فلسفتها،
ولم نختبر أثرها الحقيقي.
المدرب الواعي لا يتحرك لأن الجميع يتحرك،
ولا يكرر لأن غيره سبق،
ولا يقلد لأن الطريق مُعبّد وسهل.
المدرب الواعي يسأل قبل أن يُدرّب،
ويفكّر قبل أن يُطبّق،
ويختار قبل أن ينفّذ.
هو يدرك أن التكرار بلا وعي
ليس خبرة… بل استنزاف.
وأن التقليد بلا فهم
ليس تعلّمًا… بل ذوبان.
المدرب الحقيقي…
لا يبحث عن نسخة محسّنة من الآخرين،
بل عن صوته الخاص،
ورؤيته،
وبصمته التي لا تتكرر.
يصنع مساره،
حتى وإن كان أطول،
ويبتكر اختلافه،
حتى وإن كان مرهقًا،
لأنه يعلم أن القيادة
لا تولد في الصفوف الخلفية.
يعرف متى يتوقف ليفكر،
ومتى ينتقد ليُبدع،
ومتى يصمت ليُراجع،
ومتى يخرج عن السرب…
لا تمردًا،
بل وعيًا ومسؤولية.
فلا تخافوا من النقد…
فهو أول أبواب النضج.
لا تخشوا مواجهة أنفسكم…
فمن لم يواجهها، قادته دون وعي.
ولا تحزنوا على فقد الإبداع…
فالإبداع لا يموت،
ولا يشيخ،
ولا يخذل أصحابه،
هو فقط…
ينتظر مدربًا واعيًا
يوقظه من سباته.
خبير التدريب والتطوير المهني
أ/ إبراهيم بن عبدالله الشريف
مقالات سابقة للكاتب