خليص في التاريخ المنسي ( ٤١ )

قراءة في الذاكرة
تدخل خليص فصلًا جديدًا من تاريخها السياسي مع علاقة زبيد بأشراف الحجاز في عهد مشيخة مالك بن رومي. وحتى نؤسس لهذه العلاقة نشير إلى القبيلة الأم، وهي قبيلة حرب؛ إذ تُعد هذه القبيلة من أكبر القبائل العربية في منطقة الحرمين ابتداءً من القرن الثاني الهجري، وهو تاريخ نزوحها إلى الحجاز حسب ما ذكره الهمداني. وبرغم أهمية هذا التاريخ فإنه ما يزال يعاني من قصور، وبرغم ما كتبه عاتق البلادي، وفايز البدراني، ومبارك المعبدي، إلا أن هناك جوانب من هذا التاريخ لم تتضح إلى الآن. فلو نظرنا إلى تاريخ القبائل في منطقة الحجاز خلال القرون العشرة الماضية لوجدنا أن المعول فيه على المؤرخين الحجازيين الذين كانوا غالبًا من أتباع الأشراف؛ فأظهروا لنا صورة الوضع من خلال وجهة نظرهم دون أن نعرف وجهة نظر تلك القبائل.
(انظر: مجلة بحوث المدينة المنورة ودراساتها، العدد الأول لعام 1441هـ – 2020م).
ينطبق هذا الوضع على زبيد – أبرز فروع قبيلة حرب – في عهد مشيخة مالك بن رومي؛ إذ إن المصادر التي بين أيدينا لا تعطينا صورة واضحة عن الوضع في تلك الحقبة بالنسبة إلى قبيلة زبيد، بل تكتفي بالإشارة إلى علاقات تلك القبيلة بالأشراف دون بيان واضح لوضعها وظروف معيشتها، وغير ذلك من الأمور المختصة بالنظام القبلي. فليس هناك تفاصيل كافية عن بداية العلاقة بين مشيخة مالك بن رومي والأشراف. وما تذكره المصادر عن بداية هذه العلاقة مجرد إشارة إلى أنه في شعبان سنة 873هـ قام شريف مكة محمد بن بركات (859–903هـ) بغزو قبيلة زبيد.
وكان شيخ القبيلة في تلك الحقبة رومي بن مالك الزبيدي، فالتقى الفريقان في خليص في السنة نفسها؛ فتمكنت قوات الأشراف من الانتصار، وقُتل من زبيد سبعون رجلًا، كما قُتل شيخهم رومي وأخوه مالك، وفرّ من نجا هاربًا. وغنم الأشراف كثيرًا من الأموال والإبل، بينما لم يُقتل من الأشراف وأتباعهم سوى أربعة رجال. وبعد ذلك صالحهم الشريف وأعطاهم بعض المال.
(انظر: ابن فهيد، نجم الدين عمر بن محمد، إتحاف الورى بأخبار أم القرى، تحقيق عبدالكريم علي باز، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، 1408هـ، ج4، ص493).
ولم نذكر هذه الواقعة لكونها الوحيدة، بل لتوثيق بداية الصراع السياسي والعشائري الذي تأرجح بين الخلاف والاتفاق وفقًا لإملاءات المصالح، وامتد حتى ظهور الدولة السعودية الثالثة؛ حيث أصبح الفريقان – إمارة الأشراف ومشيخة العسوم – ذاكرة تاريخية.
وفي خليص تكامل لآل رومي من العسوم كيان عشائري أفرز مشيخة انحدر منها ما لا يقل عن خمسة عشر أميرًا تولّوا الزعامة في عشائرها، وكانوا سادة وذوي صيت وهيبة. وقد بلغ أمراء العسوم من القوة ما جعلهم يسيطرون على كثير من قبائل حرب حتى بداية القرن العاشر الهجري، بقوة السلاح وكثرة الأتباع. وازداد هذا الدور بعد ظهور زعيمها رومي بن نويرة الزبيدي، الذي تكامل لآل رومي في عهده كل مقومات المشيخة في خليص. وكانت له كلمة مسموعة عند أمير مكة المكرمة لارتباطه بصلة رحم، ولعبوا دورًا كبيرًا في مجريات الأحداث في عصور متلاحقة من المماليك إلى العثمانيين، ومن محمد علي باشا حتى الشريف حسين.
وعندما جاء السلطان عبدالعزيز عام 1343هـ إلى الحجاز، تزعم مشيخة حرب آل مبيريك – أمراء مدينة رابغ – ولكن إكرام آل عسم كان موضع اعتبار؛ حيث كتب السلطان عبدالعزيز خطابًا إلى الشيخ صالح بن عسم أوضح فيه:
“أن كل إنسان ما يحجبه عنا حاجب، وإذا أردتم مقابلتي فإني أرحب بكم، ونحن هدفنا واحد.”
وبعد ذلك قابل صالح بن عسم الملك عبدالعزيز في مكة – جرول مع مجموعة من مشايخ حرب، فأثنى عليه وأكرمه. واستمر ابن عسم شيخ زبيد – بمرتبة أمير – في منطقة خليص حتى عام 1383هـ، عندما تم تعيين أمير من قبل إمارة منطقة مكة وهو سعد بن نفيسة. وقد ضعف هذا البيت القيادي في آخر أيام الشيخ إبراهيم بن صالح الزبيدي.
(انظر: د. مبارك محمد المعبدي، مشيخة العسوم = آل رومي (شيوخ زبيد) في وادي خليص، ط2، 1417هـ).
والشيء بالشيء يُذكر؛ فقد جايلت بيوت كثيرة بيت العسمي في الانتقال من دوائر الضوء إلى الظل في ذات المرحلة، والسردية التاريخية منها – على سبيل المثال لا الحصر –: بيت ابن حمادي، وبيت ابن نويهر، وبيت الشيخ المصباحي.

 

محمد علي الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *