في ظل التحولات التنموية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، برزت التنمية المستدامة بوصفها أحد المرتكزات الرئيسة في مسيرة البناء الوطني، بما يحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة واستدامة الموارد للأجيال القادمة. وقد تجسد هذا التوجه بوضوح في رؤية السعودية 2030 التي أطلقتها القيادة الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان آل سعود، حيث جعلت الاستدامة البيئية وتحسين جودة الحياة أحد المحاور الرئيسة في مسيرة التحول الوطني.
ومن أبرز المبادرات التي تجسد هذا التوجه الطموح مبادرة السعودية الخضراء، التي تهدف إلى تعزيز الغطاء النباتي، والحد من الانبعاثات الكربونية، وتحسين جودة البيئة في مختلف مناطق المملكة، حيث أسهمت هذه المبادرة في ترسيخ ثقافة الاستدامة البيئية بوصفها مسؤولية وطنية مشتركة تتكامل فيها جهود المؤسسات الحكومية والتعليمية والمجتمعية.
وفي هذا السياق، تبرز جامعة القصيم بوصفها إحدى المؤسسات التعليمية التي سعت إلى ترجمة هذه الرؤية الوطنية إلى واقع عملي داخل الحرم الجامعي، فقد أولت الجامعة عناية واضحة بتعزيز مفهوم الاستدامة البيئية، انطلاقاً من إدراكها العميق لدور الجامعات في بناء الوعي البيئي وترسيخ الممارسات المستدامة لدى الأجيال القادمة.
ومن المظاهر البارزة لهذه الجهود التوسع في المسطحات الخضراء داخل مرافق الجامعة، حيث تحولت أرجاء الحرم الجامعي إلى مشهدٍ بيئيٍ حضاري نابض بالحياة، تتناثر فيه الأشجار الوارفة والنباتات المتنوعة في تناغمٍ يعكس عناية الجامعة بالبعد البيئي والجمالي. ولا يقتصر أثر هذه المساحات الخضراء على تحسين المشهد الحضري فحسب، بل يسهم أيضاً في تحسين جودة الهواء وخفض درجات الحرارة، فضلاً عن توفير بيئة تعليمية صحية ومريحة تعزز جودة الحياة داخل الحرم الجامعي وتدعم العملية التعليمية والبحثية.
كما لم يقتصر اهتمام الجامعة على التشجير وتجميل البيئة الجامعية، بل امتد ليشمل العديد من الممارسات التي تعزز مفهوم الاستدامة، مثل ترشيد استهلاك الطاقة والمياه، والاهتمام بإدارة النفايات وإعادة التدوير، إضافة إلى دعم الأبحاث العلمية والدراسات الأكاديمية التي تتناول قضايا البيئة والتنمية المستدامة. وتعد هذه الجهود انعكاساً لدور الجامعة بوصفها مؤسسة علمية تسهم في إنتاج المعرفة وتوجيهها لخدمة المجتمع.
ومن واقع التجربة الشخصية، وبوصفي أحد طلاب الدراسات العليا بكلية التربية في الجامعة، أجد أن هذه الجهود ليست مجرد مبادرات شكلية، بل هي واقع ملموس يعيشه الطالب يومياً داخل الحرم الجامعي. فالبيئة الجامعية التي تحيط بالطلاب، بما تتضمنه من مساحات خضراء ومرافق منظمة واهتمام واضح بالجوانب البيئية، تسهم في خلق بيئة تعليمية محفزة تعزز الشعور بالانتماء للمكان، وتدعم جودة العملية التعليمية والبحثية.
كما أن هذه البيئة المستدامة تترك أثراً إيجابياً عميقاً في وعي الطلبة وسلوكهم؛ إذ يتشكل لديهم إدراك متزايد بأهمية المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية، ولا يقتصر هذا الأثر على الجانب البيئي فحسب، بل يمتد إلى أبعاد تربوية وتعليمية متعددة، فهي تسهم في ترسيخ قيم المسؤولية المجتمعية، وتعزيز روح الانتماء للمكان، وتنمية ثقافة المحافظة على المرافق العامة واحترام الموارد المشتركة. كما تعزز لدى الطلبة السلوكيات الإيجابية المرتبطة بالنظام والنظافة والوعي البيئي، وتغرس في نفوسهم قيمة العمل الجماعي والمشاركة المجتمعية في المبادرات البيئية مثل حملات التشجير والمحافظة على البيئة.
ومن زاوية علمية أعمق، يمكن النظر إلى هذه التجربة من منظور الأنثروبولوجيا، وبخاصة ما يعرف بـ الأنثروبولوجيا البيئية التي تعنى بدراسة العلاقة المتبادلة بين الإنسان وبيئته. فالمكان الذي يعيش فيه الإنسان لا يشكّل إطاراً مادياً لحياته فحسب، بل يسهم أيضاً في تشكيل وعيه وسلوكياته وقيمه الاجتماعية، ومن هذا المنطلق، فإن البيئة الجامعية المستدامة بما تتضمنه من مساحات خضراء وممارسات بيئية مسؤولة تؤدي دوراً تربوياً وثقافياً في بناء وعي الطلبة تجاه قضايا البيئة والاستدامة. وهنا تتجلى أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الجامعات في تعزيز الثقافة البيئية، حيث تصبح الاستدامة جزءاً من التجربة التعليمية اليومية التي يعيشها الطالب، لا مجرد مفهوم نظري في المقررات الدراسية.
إن ما تقدمه جامعة القصيم في هذا المجال يمثل نموذجاً مميزاً لدور الجامعات في دعم مستهدفات التنمية المستدامة، ويؤكد أن المؤسسات التعليمية ليست مجرد مراكز للتعليم والبحث العلمي فحسب، بل هي أيضاً منصات فاعلة لبناء الوعي المجتمعي وصناعة المستقبل.
وفي ظل ما تشهده المملكة من نهضة تنموية شاملة، تظل مثل هذه التجارب المؤسسية دليلاً واضحاً على نجاح التكامل بين الرؤية الوطنية الطموحة وجهود المؤسسات التعليمية في تحقيق تنمية مستدامة توازن بين الإنسان والبيئة، وتسهم في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة للوطن
عبدالله بن علي دخيخ الغامدي
طالب دكتوراة بكلية التربية بجامعة القصيم
مقالات سابقة للكاتب