الإفطار في المسجد الحرام أمام الكعبة المشرفة
من أعظم ما يمنّ الله به على عباده في هذه الدنيا نفحاتٍ من النعيم المعجَّل؛ يذوق فيها المؤمن لذة القرب من الله قبل نعيم الآخرة. ومن أجلِّ تلك اللحظات وأصفاها: الإفطار في المسجد الحرام أمام الكعبة المشرفة في شهر رمضان المبارك.
فحين تميل الشمس إلى الغروب، ويقترب وقت الإفطار، تمتلئ أرض المسجد الحرام وجنباته وساحاته وتوسعاته بجموع الصائمين من شتى بقاع الأرض؛ وجوهٌ مختلفة، وألسنٌ متعددة، وألوانٌ شتى، جمعهم مقصد واحد: عبادة الله وتعظيم بيته الحرام.
تمتدّ سفر الإفطار في رحاب المسجد الحرام، وتلتقي القلوب قبل الأيدي، ويجلس المسلم بجوار أخيه الذي لم يره من قبل، لكن يجمعهما الإيمان ووحدة القبلة والملة.
دقائق يسيرة قبل الأذان، والأكف مرفوعة، والقلوب معلقة بالله، حتى إذا صدح المؤذن معلنًا غروب الشمس، أفطر الصائمون على تمراتٍ وماء زمزم ، في لحظةٍ يختلط فيها شكر النعمة بلذة الطاعة.
ثم يقوم الجميع إلى صلاة المغرب في صفوفٍ متراصة، في مشهدٍ مهيب تتجلى فيه وحدة المسلمين. وبعدها تتواصل ساعات العبادة، فيجتمع الناس على صلاة العشاء، وصلاة التراويح ثم صلاة القيام، والقرآن يتردد صداه في أرجاء الحرم، فتخشع القلوب وتدمع العيون.
ومن المشاهد المؤثرة كذلك في تلك الصلوات المباركة شهود الصلاة على الجنائز؛ حيث يقف المسلمون صفوفًا يدعون لإخوانهم بالرحمة والمغفرة، فيتذكر الحيّ مآله، ويزداد قلبه خشوعًا واستعدادًا للقاء الله.
ومن تمام هذه النعمة أن يهيئ الله لبعض عباده خدمة العلم ونفع الناس، وذلك من خلال المشاركة في برنامج إجابة السائلين في المسجد الحرام؛ حيث يتوافد الصائمون والمعتمرون بأسئلتهم عن أحكام عباداتهم وشؤون دينهم، فيجدون من يبين لهم الحكم الشرعي ويرشدهم إلى الصواب.
وهكذا تجتمع في تلك الساعات المباركة وظائف عباداتٍ متعددة:
الإفطار مع المسلمين، والصلاة مع المسلمين، واستماع القرآن في صلاتي المغرب والعشاء، ثم في صلاتي التراويح والقيام، مع شرف شهود الصلاة على الجنائز، وخدمة المسلمين بإرشادهم وبيان أحكام دينهم.
وذلك كله لونٌ من النعيم المعجَّل الذي يعجّله الله لأهل الطاعة في الدنيا؛ نعيم السكينة، ولذة العبادة، وشرف خدمة دين الله ونفع عباده.
فطوبى لمن وفّقه الله لمثل هذه اللحظات المباركة، وجعلها زادًا من الإيمان وذخرًا ليوم يلقى ربَّه.
أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي
جامعة أم القرى
في المسجد الحرام – ليلة الجمعة ٢٤رمضان ١٤٤٧هـ
مقالات سابقة للكاتب