عندما يَخذلُك قلبك!

القلب الذي ظلَّ عبر التاريخ رمزاً للمشاعر، والوعي، والروح، والجمال، والحُبّ، لكنه حين يَتجلَّط؛ يبدو وكأنّه يُعلن احتجاجاً على طريقة عيْشٍّ قد تجاوزت قُدْرة الإنسان على الاحتمال، ويصبح رمزاً كثيّفاً لحالات إنسانية عميقة.
الجلطة تأتي فجأةً، وفي هذه اللحظة الفجائية؛ تشعر أن قلبك قد خذلك، ولم يعد كما عهدته؛ حينها تتسأل:‏ أيها القلب، هل سئمت منا؟
وهذه “الفجأة” يمكن قراءتها كصَفْعةٍ تُعَبْرُ عن أقصى صيغة لغضب الجسد، فهي تَوقْف قصير يُعيّد تعريف الزمن، ويضع حدوداً فاصلة بين ما قبل وما بعد، كما أنها تذكير قاسٍ بأن للحياة هامشاً محدوداً لا نراه إِلَّا عندما يَضيّق التنفس.
كما يمكن النظر إليها على أنه ربما هذا الإنسان يعيش اختناقاً وجدانياً، أو روحياً مصحوباً بحرارةٍ تَتَلَظَّى سبق الاختناق الجسدي.
يرى الفيلسوف الفرنسي “بول ريكور” أن الصدمات تُجبر الذات على إعادة سَرْد قصتها. وجلطة القلب بهذا المعنى؛ إنما هي إعادة كتابة قَسْرِيّة لسيرة الإنسان.
وجلطة القلب وفْق هذا التصور ليست حادثة عابرة في جغرافيا الجسد، بل لحظة فارقة تتصدع فيها المسافات بين الإنسان ونفسه، كأن القلب يجد نفسه مضطراً أن يرفع صوته مرة واحدة في العمر؛ ليقول ما لم نُصغِ إليه من قبل.
فحين يتوقف النبض قليلاً، أو يختلّ نبضه؛ يتراجع الزمن إلى الخلف، ويتقدم في آنٍ واحد، ويقف الإنسان على الحافة بين ما عاشه، وما لم يعشه بعد، وبين ما ظنه مهماً، وما يكتشفه الآن، حيث يتبيّن له أنه لم يكن إِلَّا غباراً على سطح الروح.
وجلطة القلب بهذا الإدراك؛ ليست انكساراً، بل انفتاحاً، وليست انسداداً في شريان، أو صمام قلبٍ بقدر ما هي انفتاح في الوعي، وصَدْعاً يدخل منه نورٌ جديد.
فعندما تباغتنا جلطة القلب؛ تتراجع الأصوات التي كانت تملأ يومنا، ويظل صمتٌ واحد يتصدر المشهد.
صمتٌ غريب لا يشبه صمت الليل، ولا صمت المرض، بل صمت الحقيقة وهي تقترب من الإنسان بلا وسيط.
في هذا الصمت؛ يكتشف المرء كم كان يتجاهل جسده، وكم كان يُحَمّل روحه ما لا تحتمل، وكم عاش بعيداً عن ذاته التي تتنفس بصعوبة خلف ضجيج الأيام.
وحينما يعود القلب للنبض من جديد؛ يعود الإنسان بمعنى جديد، ويصبح كلُّ تَنفُّسٍ حدثاً، وكل خطوة نِعْمة، وكل صباح ميلاداً صغيراً، وتصبح الأشياء التي كانت عابرة أكثر دفئاً، والوجوه التي كُنَّا نَمرُّ بها بلا انتباه أكثر قُرْباً، ويُوُّلد من شقّ الألم شيءٌّ يشبه البصيرة يقول لنا: أن الحياة لا تُقَاس بطولها، بل بعمقها، وأن الموت حين يقترب قليلاً؛ يجعلنا نرى الجمال مَخْفيّاً في تفاصيلٍ لم نكن نلحظها.
وهكذا تتحول الجلطة إلى درسٍّ رُوحيّ، انقباضٌ يَعقبه انبساط، وخوفٌ يَعقبه رجاء، وكدرٌ يتلوه صفاء، ونَصَبٌ يُثْمرُ راحةً، ووجعٌ يفتح باباً خَفيّاً نحو معنى أكبر. فالإنسان لا يعرف نفسه حقاً إِلَّا عندما تلامسه حدود الأشياء، ولا يُدرك قيمة قلبه إلا حين يخفق ببطء، كأنه يُذكّره بأن الفرصة موجودة، ولكن الوقت ليس دائماً كافياً، وأن ما يُغيّر الإنسان ليس هو المرض ذاته، بل الوعي الذي يستيقظ من خلاله. وأن جلطة القلب بكل قسوتها وفجيعتها الكبرى، إِلَّا أنها تَحملُ سراً بديعاً، وهو أنها تُوُّقظ في الإنسان قلباً جديداً أكثر حكمةً ورحمةً، وأكثر لطفاً وتعاطُّفَاً، وأكثر قُرْباً من روحه، وتجعله سَبْاقاً لفعل الخيرات، وأشدُّ أُنْسَاً بمناجاة خالقه.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *