ثمَّة لحظاتٍ في حياة الإنسان تبدو وكأنّ الكون قد انقلب عليه: أبواب تُغلق،خطط تتعثر، فرص تفرّ من بين الأصابع، وأسبابٌ كان يظنها طريقه إلى السعادة؛ فإذا بها تنقطع فجأة بلا تفسير.
فقد يسعى الإنسان بقلبه ويده إلى أمرٍ من أمور الدنيا: وظيفة، زواج، منصب، تجارة،
فرصة يظنّ أنّ فيها سعادته ورزقه، ثم يُغلق الباب، وتتعرقل الأسباب، وتضيق المسالك؛ فيُصاب بالهمّ والغمّ، ويظنّ أنّ الخير فاته.
لكن الحقيقة أنّ الله يصرف عنه ما يشاء؛ رحمةً به، ويمنعه ما كان سيؤذيه لو وصل إليه، وإنْ كان العبد في حينه لا يرى إلا الجانب الظاهر: التعطيل، فوات الفرص، أو نجاح غيره فيما فشل فيه.
والحقيقة التي لا تُرى بعينٍ مُتعجلة، أنَّ هناك وجهاً آخر للقدر، وجهاً ستراه فقط حين تتجاوز حدود الرؤية إلى عمق البصيرة، وهو أنّ الله -سبحانه وتعالى- قد يحفظ العبد، بأن يمنع عنه ما كان يريده بقوة، وأن يصرف عنه ما ظنّه باب رزقٍ، أو وجه نجاحٍ، أو طريق مجد؛ رحمةً به، وستراً له من نفسه قبل غيره.
وعند قراءة هذا المشهد من زاوية مغايرة؛ نجد أن الإنسان ينظر إلى ظاهر الطريق، أما الله سبحانه وتعالى -برحمته الواسعة ولطفه العظيم- فينظر إلى نهايته.
وأن الإنسان ينشغل باللحظة الراهنة، أما الله سبحانه وتعالي -بحكمته وقدرته- فيعلم مآلات الأشياء، وما يخبّئه كل بابٍ من فتنة، وما يجرّه كل اختيارٍ من أثرٍ في الروح.
ولهذا جاء قول ابن مسعود رضي الله عنه، كأنه يفتح نافذة على المشهد الغيبي حين قال:
“إنّ العبد ليهمّ بالأمر من التجارة والإمارة حتى يُيسَّر له، فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإنّي إن يسّرته له أدخلته النار، فيُصرَف عنه.
قال: فيظلّ يتطيّر،يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلّا فضلُ الله عزّ وجلّ”
فيُصرف عنه ذلك الأمر؛ فيظنّ العبد أنّ الناس قد خدعوه، أو سبقوه، أو ضيّعوا فرصته، وما ذلك إلا «فضل الله ولطفه»، كما قال ابن مسعود، أنْ منعه من شقاءٍ لا يراه.
إن هذه المعاني الروحية ليست استقالة من السعي، ولا تخلّياً عن الطموح، بل هي ثقةٌ بالقيادة الإلهية التي ترى ما وراء الأبواب، وتعلم مآلات الخطوات، وتحفظ القلب من هلاكٍ قد يأتي في ثوب نجاح.
فنحن لا نُختبر فقط بما يُعطى لنا، ونُرزق من نِعَم، بل كثيراً ما نُختبر بما يُصرف عنّا، وما يتم منْعه عنّا مع رغبتنا فيه.
وإذا وعى الإنسان هذه المعاني؛ كان طريقه يسيراً لإدراك أن مقياس القرب من الله -سبحانه وتعالى- ليس في كثرة المنح، بل في سعة الرضا حين يُغلق باب، والطمأنينة التي تُبقي روحك ساكنةً مطمئنة أمام قدرٍ لم تفهمه بعد. فالله -سبحانه وتعالى- أحياناً لا يقودك إلى النور بالضرورة، بل يقود الظلام بعيداً عنك دون أن تنتبه.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي