“إيبو نوح”.. ‏حين يفيض الجهل،ويجف الوعي!

‏تناقلت الكثير من محطات الأخبار هذه الأيام خبر الرجل الغاني “إيبو نوح” الذي ادَّعى النبوة ويقول إن الله تعالى أمره ببناء السفن لإيواء وإنقاذ الناس من طوفان عالمي سيكون في 25 ديسمبر 2025 مؤذناً بنهاية العالم في هذا التاريخ.
وذكرت محطات الأخبار أن أتباع “نوح” باعوا ممتلكاتهم ​وقدموا له المال لإنقاذهم بالسفن المزعومة.
​إننا حين نتأمل هذا الحدث؛ نجد أنه لا يُحيّلنا إلى نهاية العالم بقدر ما يُحيّلنا إلى نهاية الوعي.
فهذه الأخبار التي تم نقلها لا تصوّر حدثاً كونياً، بل تكشف هشاشة العقل الجمعي حين يُترك بلا سؤال، وبلا ميزان نقد، وبلا شجاعة للتمييز بين الرمز والحقيقة.
فهذا الرجل خرج على الناس بملابس بالية، ليؤدي دور “نوح جديد”، وتُنسج حوله حكاية خلاص أخير، فيضان عظيم، وسفن تُبنى، وموعد محدد لنهاية كل شيء.
قد تكون هذه القصة ليست جديدة، لكن الجديد فيها سرعة تصديقها، وسهولة انتشارها، وشغف الناس بالتماهي مع الخوف بدل مواجهته بالعقل.
والجهل هنا لا يعني غياب المعلومات، بل غياب القدرة على التفكير. فالعقل الذي يتخلى عن السؤال، ويبتعد عن الشك؛ يتحول إلى أرضٍ خصبة لكل نبوءة زائفة. فالناس لا يصدقون لأن الدليل قوي، بل لأن القلق في داخلهم أقوى من رغبتهم في الفهم.
إن الخوف الذي يأتي مصحوباً بهذا الشعور الكثيف من القلق يبحث دائماً عن قصة، وأي قصة تكفي ما دامت تمنحه شكلاً ومعنى.
إن ضعف الوعي يتجلّى حين يُختزل الإيمان إلى خرافة، والعلم إلى مؤامرة، والتاريخ إلى نسخة مكررة من الأساطير. وكأن البشرية لم تتعلم أن نهاية العالم لا تُعلن في منشور، ولا تُبنى على توقع فرد، ولا تُقاس بتواريخ عشوائية. فالنهايات الحقيقية تحدث بصمت، وحين يُغلق العقل، وحين يُغتال السؤال، وحين يصبح الوهم أدفأ من الحقيقة.
إن هذه الأخبار تفضح ميْل الإنسان إلى الهروب من مسؤوليته في فهم العالم؛ فيلوذ بقصص النهاية بدل مواجهة الحاضر.
إن الإيمان الذي لا يصاحبه وعي؛ يتحول إلى عبء، والروح التي لا يُرافقها عقل؛ تُقاد بسهولة إلى كل نداء غامض.
وعمق المشكلة ليست في الرجل الذي قُدّم بوصفه (نوحاً)، بل في العيون التي نظرت ولم تسأل، والآذان التي سمعت ولم تُمحص، والعقول التي آثرت الراحة النفسية على مشقة التفكير. فالعقل الكسول يجد في النبوءات ملجأً، وفي الكوارث المتخيلة تفسيراً جاهزاً لكل عجز داخلي.
وهكذا، تصبح هذه الأخبار التي وردتنا من غانا مرآةً، لا للغيب، بل لنا. وتغدو تذكيراً قاسياً بأن أخطر فيضانات العالم ليست تلك التي تغرق المدن، بل تلك التي تغرق العقول، حين يفيض الجهل، ويجف الوعي.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *