بين حفل زواجٍ كبير، تسير بخبره الركبان، وتطرب له الآذان، وبين حفل زواجٍ مختصر، استقى معناه من هدي النبوة الصافي، ويُقاس بصدق اللحظة لا بعدد المعازيم، وبقيمة المشاركة لا بحجم وتكلفة الفاتورة، لم تعدْ الدعوة إلى حفل الزواج مجرّد بطاقة تحمل اسمين وتاريخاً، بل صارت بياناً اجتماعياً معلناً، يكشف موقع الإنسان من ثقافة الاستعراض، وحدود علاقته بالآخرين، وموقفه من المال، والفرح، والواجب الاجتماعي.
فبين حفلاتٍ تُقام على اتساع المجتمع، وأخرى تُختصر في دائرة الأهل والأقارب والأرحام؛ تتشكّل أسئلة أخلاقية واجتماعية عميقة لا تتعلّق بالزواج بقدر ما تتعلّق بمعنى الاحتفال ذاته.
يرى أنصار الدعوة الواسعة لحفل الزواج أن الزواج حدث اجتماعي بامتياز، لا يكتمل إلا بشهادة الجماعة. فالفرح -في تصورهم- قيمة جماعية لا فردية، وإقصاء الناس عنه؛ يُفقده بُعْده الرمزي، كما أن الدعوة العامة الكبرى تُعد امتداداً لأعراف مُتجذّرة ترى في مشاركة المجتمع نوعاً من ردّ الجميل، وحفْظاً لعُرى ومواثيق العلاقات، وتأكيداً على أن الزواج ليس شأناً خاصاً منعزلاً، بل عقداً يدخل في نسيج المجتمع ويطلب بركته الضمنية.
في المقابل، يقف من يختارون اختصار الدعوة على الأهل والأقارب والأرحام -لا بوصفهم بخلاء بالفرح- بل ناقدين لمعنى التكلفة الباهظة. فهم يرون أن حفلات الزواج تحوّلت في كثير من السياقات إلى عبء مالي مُقنَّع بثوب الفرح، حيث يُستدعى الناس لا لمشاركة وجدانية حقيقية، بل لاستكمال مشهد اجتماعي متوقّع.
من هذا المنظور -حسب وجهة نظرهم- يصبح الزواج المختصر فعل وعي، لا تقليصاً للعلاقات، ومحاولة شجاعة لاستعادة جوهر المناسبة وطلب بركتها، بعيداً عن الاستنزاف المادي والضغط النفسي.
لكن هذا الخيار -رغم وجاهته- لا يخلو من تبعات اجتماعية. فثقافة المجاملة ما تزال تملك ذاكرة طويلة، وقد يُقرأ الاقتصار على الدائرة الضيقة بوصفه إقصاءً، أو تقليلاً من شأن الآخرين، مهما حَسُنتْ النوايا.
وهنا يتقاطع الفعل الفردي مع الحساسية الجماعية؛ ويجد الإنسان نفسه بين حقه في تنظيم فرحه كما يشاء، وواجبه غير المعلن في مراعاة مشاعر المجتمع وتوقعاته.
وهذا الجدل القائم يطرح سؤال القيمة: هل قيمة الزواج في عدد الحضور، أم في صدق المشاركة؟ وهل الكلفة المادية دليل على الاحترام الاجتماعي، أم على خضوع غير واعٍ لمنطق المقارنة والتنافس؟
يرى البعض أن المبالغة في الاحتفال، تعكس خوفاً دفيناً من نظرة الآخرين أكثر مما تعكس رغبة صادقة في الفرح؛ وهو بهذا الشعور يتماهى وبشكلٍ خفيّ مع رغبة الأنا في البروز والتفرُّد، بينما يرى آخرون، أن التقشف المفرط قد يتحول إلى خطابٍ أخلاقيٍّ يُحمّل المجتمع ذنباً لا يعترف به الجميع.
ويرى البعض، أنه حين يُختصر الحضور على العائلة والأرحام؛ قد يفقد الحفل ضجيجه، لكنه يكسب عمقه. وحين يُفتح الباب على مصراعيه للمجتمع؛ قد تتسع الدائرة، لكن يبقى التحدي في ألا يضيع المعنى وسط التكلفة والمظاهر البرَّاقة.
ووسط هذا السباق المحموم بين المتبارين حول شكل حفل الزواج، يأتي فريقٌ مُثْقَلاً بحمولةٍ ثقافية أنهكت قواه، ويأمل في استعادة مجدٍ مدروس، وماضٍ تولّى. وفريقٌ آخر قد جاء وتسبقه آمالاً عِذاباً، وأحلاماً تصافح عنان السماء؛ أملاً أن يأتَ بما لم تأتِ به الأوائل، وفريقٌ ثالث يرى أن التوسط محمود العواقب، وأن خير الأثواب ما جمع في نسيج ثوب زواجه الزهد في المظاهر، والقناعة بما يوصله إلى نبْل غايته، وسمو مراده، والبعْد عن حمْل وزر ثقافةٍ بائسةٍ، وشيلاتٍ بالية قد أكل وشرب الدهر عليها مستحضراً الهدي النبوي “أَوْلِمْ ولو بشاة” ومستشعراً معانيه الفاضلة ودلالته الرمزية الصادقة في مباركة هذا الزواج.
ويرى هذا الفريق، أن حفل الزواج -في جوهره- لحظة عبور إنساني واجتماعي -فضلاً عن مكانته الدينية السامية، فهو الرباط المقدس، والميثاق الغليظ- لا اختباراً للقدرة المالية، ولا ساحة لقياس المكانة الاجتماعية.
وأمام هذا السباق المحموم كان لِزاماً على المشايخ والأعيان، ونبلاء القوم، ووجهاء المجتمع، والنخب الثقافية أن يكون لهم حضوراً حصيفاً وطيباً ومؤثراً.
فالإنسان الواعي الحكيم هنا يكون رأيه شاهداً وفاعلاً، يُعرّي الخوف من التغيير، لا ليربك المجتمع، بل ليمنحه فرصةً للتعافي من السكون والدعة التي ألفتْ عاداتٍ حان الوقت لتغييرها.
وهذا الحضور الواعي لهؤلاء، لا يُقاس بحدّة الخطاب، بل بقدرته على إحداث أثر إنساني طيّبٍ فعَّال. فالحقيقة التي تُقال دون مراعاة السياق قد تتحول إلى عنف رمزي، بينما المهادنة الذكية قد تكون مرحلة انتقالية نحو وعي أعمق.
ووفق هذا التصور لحضور حكماء المجتمع؛ يكون الإنسان الواعي الحكيم ليس ثائراً على مجتمعه، ولا تصالُّحيّاً مطلقاً، بل قارئاً دقيقاً للزمن؛ فهو يختار لحظة القول، ولحظة الصمت بميزان أخلاقيٍّ محضّ، لا نفعي، أو انتصاراً لنفسه، أو تحيُّزاً لرأيه.
ولعل الموقف الأكثر نضجاً للإنسان الواعي لا يكمن في اختيار طرفٍ نهائي، بل في البقاء داخل التوتر نفسه، وأن يقول الحقيقة دون ادّعاء البطولة، وأن يهادن الواقع دون أن يُقدّسه، وأن يصنع الوعي حين يكون ممكناً، وأن ينسحب حين يتحول الفعل إلى استنزافٍ عديم المعنى، دون أن يخون قناعته الداخلية، أو يتنازل عن إبلاغ رسالته السامية إلى مجتمعه، مُدرِكاً أن الإفراط في تمرير عدسة الوعي على المشهد الاجتماعي العام؛ يسلب المناسبات بهجتها، وخفتها، والاستمتاع بلحظاتها اللذيذة.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي