متلازمة “التعب والليل” بين نيتشه وابن القيم..

حين يهبط الليل؛لا يهبط معه السلام بالضرورة،بل يحدث العكس أحياناً؛كأن الظلام يرفع الغطاء عن شيءٍ كنا نُحسن إخفاءه طوال النهار.
‏يقول الفيلسوف سينيكا:
‏”الليل لا يزيل قلقنا،بل يدفعه نحو السطح” ففي النهار نحن كائنات عملية،نتحرك،ننجز،نُقنع أنفسنا بأن الأمور تحت السيطرة،ونؤدي أدوارنا بإتقانٍ معقول قدر الإمكان،ونبني حول وعينا جدراناً من الانشغال،لكن ما إن ينسحب الضوء وتخفت الأصوات؛حتى نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع ما لم نُنجزه داخلنا.
إن القلق لا يبدأ في الليل،لكنه ينتظر الليل.فهو ينتظر تلك اللحظة التي لا يعود فيها للعقل ما يتكئ عليه سوى نفسه.
وهناك في تلك المساحة الصامتة،تطفو الأسئلة المؤجلة،والندم الذي لم يُعالَج،والخوف الذي أقنعنا أنفسنا بأنه زال.فالليل لا يخلق هذه المشاعر،بل يمنحها الجرأة لتتكلم.
وكأن النفس تقول:الآن انتهى عرض التمثيل،وحان وقت كشْف الحقيقة.
ولأن التعب ليس رفيق الليل لأنه أثقل الأوقات،بل لأنه الصادق الوحيد حين ينام الادّعاء؛ففي عتمته ينكشف ما أنهكه النهار،وتبوح النفس بما عجزت عن حمله في الضوء.
وهنا نجد أنفسنا أمام قول نيتشه حين قال:
‏”عندما نكون متعبين؛تهاجمنا الأفكار التي انتصرنا عليها منذ زمن بعيد”
ولعلَّ قول الفيلسوف نيتشه يضعنا أمام حقيقة لا نملك من الشجاعة ما يكفي لمناقشتها.
فحين يتسلل التعب إلى الجسد؛يتصدع ذلك البناء المتماسك الذي نسميه “الانتصار على الذات” ونظن أننا تجاوزنا أفكاراً مزعجة،وهزمنا شكوكاً قديمة،ودفنَّا آلاماً مضت،وتغلّبْنا على هواجس أقضّتْ مضاجعنا،لكن التعب يكشف لنا أمراً مقلقاً،وهو أن كثير مما حسبناه نصراً لم يكن إلا هدنة؛فالأفكار التي تعود ليست خائنة،بل صبورة،ظلّتْ في الظل،تنتظر اللحظة التي يضعف فيها الحارس؛لتُذكّرنا بأنها لم تُفهم بعد،ولم يتم استيعابها بصورةٍ واعية؛تُفْضِي إلى تلاشيها وتطاير دخانها.
في هذه اللحظات،نشعر بشيءٍ من الخيبة تجاه أنفسنا،كيف تعود هذه الهواجس؟ ،كيف نضعف بعد كل هذا الوعي؟ ،لكن ربما يكون الخطأ في تصورنا للوعي ذاته.فنحن نعتقد أن الوعي يعني السيطرة الدائمة،والثبات المستمر،والانتصار النهائي.بينما الحقيقة أن الوعي أقرب إلى مصالحة متكررة،وإعادة فهم لا تنتهي.
ويبدو أن التعب لا يهزمنا،بل يكشف حدودنا،وأن الليل لا يعاقبنا،بل يُعيّدنا إلى حجمنا الحقيقي.
وفي هذين الظرفين،يسقط الزيف الذي نمارسه دون قصد،زيف القوة المطلقة،وزيف التعافي الكامل.
حينها نكتشف أننا لسنا مشروعاً منتهياً،بل مساراً متقلباً،نرتفع فيه وننكشف،نهدأ ثم نضطرب.
ربما لهذا يخاف الناس من الوحدة الطويلة،ومن الصمت،ومن الأرق؛لأنهم يعرفون،في مكانٍ ما داخلهم،أن هذه اللحظات ستجبرهم على اللقاء بأنفسهم دون وساطة.فلا مهرب،ولا تشتيت،ولا أقنعة اجتماعية؛فقط الإنسان كما هو:متعب،قلق،لكنه صادق على نحوٍ نادر.
ولعلَّ متلازمة التعب بالليل هي نقطة الالتقاء التي تضعنا في مواجهةٍ نعيش -أغلب سنوات العمر- نتهرَّب منها.
إن الحكمة ليست في قمع ما يعود في الليل،ولا في كُرْه ضعفنا عند التعب،بل في الإصغاء الهادئ،أن نسأل أنفسنا:ما الذي يريد هذا القلق أن يقوله؟ ما الذي لم أفهمه بعد؟ فبعض الأفكار لا تعود لتؤذينا،بل لتُكملنا.
وهكذا يصبح الليل معلماً،والتعب رسالة،وليسا دليل فشل،بل علامة حياة داخلية لم تمت،وأن من يجرؤ على الجلوس مع نفسه في هذه اللحظات،دون قسوة ولا إنكار؛يخطو خطوة صادقة نحو وعيٍّ أعمق،وعيٌ يعرف أن الإنسان لا ينتصر مرة واحدة،بل يتعلّم كيف ينهض كلما زاره ضعفه،وعاوده تعبه.
حينها يمكن للإنسان أن ينظر إلى هذه المتلازمة على أنها قبس من نور،وأن هذا التعب يمكن رفعه والتشافي منه عبر روحانيةٍ عميقة من الاستغفار والدعاء والذكر.
‏يقول ابن القيم رحمه الله:
“لا يُبتلى الإنسان دوماً ليُعذب،
‏وإنما قد يُبتلى ليُهذب”
فالليل في ميزان هذا التصور الإيماني ليس فراغاً من الحياة،بل امتلاءٌ بالحقيقة؛ففيه تُسقِط النفس أقنعتها،ويقترب العبد من ربه كما هو،بلا ضجيج ولا ادّعاء؛فيكتشف أن السكون ليس غياباً للنور،بل طريقاً خفيّاً إليه،وأنّ التعب الذي أصابه بالنهار،يمكن التخلص منه في الليل متى ما أدرك الإنسان ذلك النور العظيم الذي يسكن جوف ليله.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *