الملل مرآة دقيقة لحقيقة وجودنا حين تتعرّى من الزينة، وليس حالة فراغ عابرة، ولا ضجراً كسولاً كما اعتدنا أن نصفه.
في حالة الملل، لا يحدث شيء خارق، ولا يقع ما يُدهشنا، ومع ذلك يحدث أخطر ما في الحياة، وهو أن نواجه الزمن عارياً، بلا أحداث تبرّر مروره، وبلا أعذار تبرّر أعمارنا.
نحن نخاف أو نكره الملل؛ لأنه يفضح هشاشتنا أمام الوقت.
فالأيام حين تتشابه، والوجوه حين تتكرر، والطرق حين تعيدنا إلى النقطة نفسها، لا يعود السؤال، ماذا يحدث؟بل يصبح؛ من أنا حين لا يحدث شيء؟
هنا يتسلل القلق الوجودي؛ إذ نكتشف أن كثيراً من حركتنا لم تكن إلا هروباً، وأن الضجيج الذي نملأ به أيامنا ليس حياة، بل سترٌ للخواء، ومجرد تزجية لزمنٍ فائض عن حاجتنا.
الملل ليس عدواً للحياة، بل امتحانها الصامت.
فهو النقطة التي تتوقف عندها المسرحية، وتُطفأ الأضواء، ويبقى الإنسان وحيداً مع ذاته. ومن لا يحتمل هذا الوقوف؛ يطلب الكوارث دون أن يشعر، ويشتاق للأزمات، لا لأنها مؤلمة، بل لأنها تُشعره بأنه ما زال حياً.
بعض البشر لا يعرفون قيمة السلام إلا حين يُسلب منهم، ولا يشعرون بوجودهم إلا عندما تُهدَّد حياتهم، أو تُقلب موازينهم فجأة.
وفي هذا المعنى؛ يصبح الملل نعمة ثقيلة لا يحتملها الجميع.
فهو ترف الوعي، وعبء الطمأنينة. فالسكينة ليست سهلة كما نتخيل، إنها مسؤولية نفسية، تتطلب نضجاً داخلياً، وقدرة على مصادقة الذات دون مسكّنات.
لذلك يهرع كثيرون إلى كسر الروتين بأي ثمن، لا بحثاً عن معنى، بل هرباً من مواجهة سؤال المعنى.
لكن التأمل العميق يكشف أن الملل ليس نقصاً في الحياة، ولا فائضاً عن حاجتها، بل فائضاً في السطحية.
فحين تُستنزف الأيام بلا معنى؛ يبدو الزمن ثقيلاً، وحين يُملأ المعنى؛ يصبح الصمت نفسه مشبعاً.
إن المشكلة ليست في تكرار الصباح، بل في غياب الدهشة الداخلية، وليست في ثبات الأيام، بل في خواء الروح.
إن الملل يُعلّمنا درساً قاسياً، وهو أن السلام لا يُحتمل إلا لمن تصالح مع ذاته، وأن الاستقرار ليس جائزة للجميع، وأن من لم يبنِ عالمه الداخلي؛ سيشعر بالاختناق في أهدأ البيوت، وأن من لم يفهم نفسه؛ سيطلب العواصف ليشعر بوجوده.
ووفق هذا التصور؛ ربما لم يكن الملل دعوة للهروب، بل نداءً صامتاً لإعادة ترتيب المعنى، وإحياء الحياة من الداخل، لا بالضجيج، بل بالوعي العميق لنعمة أن تمر أيامنا دون أن تزعجنا فيها طوارق الليل والنهار.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي