تدوالت وسائل التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية قصة البطريق في الفيلم الوثائقي، هذا البطريق الذي ترك فجأةً القطيع متجهاً وحده نحو الجبال، قاطعاً 70 كم، بعدها توقّف البطريق،سقط، ثم زفر آخر أنفاسه، ومات.
مشهد خروج هذا البطريق ضجَّتْ به وسائل التواصل الاجتماعي، وأحدث ارتباكاً ذهنياً؛ أفْضَى إلى حضور دهشة السؤال على غيمات الفضول، وغياب الإجابة خلف ستائر الاحتمالات.
فأحياناً لا يكون الخروج عن القطيع تَمرُّداً، ولا يكون المشي عكس الاتجاه بطولةً، بل يكون اعترافاً داخلياً بأن الاستمرار لم يعد ممكناً.
فهذا البطريق الذي ترك القطيع لم يكن يهرب من خطر، ولم يكن يطارد أملاً واضح المعالم. لقد كان يسير فقط؛ كأن شيئاً في داخله قرر أن يتوقف عن التظاهر بأن الطريق الجماعي هو طريقه.
ففي المشاهد الأولى، يبدو القطيع متماسكاً، متناسقاً، آمناً، صفوف منتظمة، حركة واحدة، غاية واحدة وهي البقاء.
لكن قراءة هذا المشهد من زاوية مختلفة؛ تعلمنا أن البقاء لا يعني دائماً الحياة، وأن السلامة ليست مرادفاً للصدق. وربما كان ذلك البطريق أكثرهم وعياً بوهنه، أو أكثرهم إرهاقاً من تكرار الطريق ذاته بلا سؤال، أو ربما سمع صوته الداخلي حين أسكته الآخرون في أنفسهم.
المؤلم في القصة ليس موته، بل مسيره الطويل، سبعون كيلومتراً من العزلة الصافية، بلا شاهد، بلا تفسير، بلا وعد، طريق لا يكافئ صاحبه، ولا يمنحه معنى جاهزاً. ومع ذلك، واصل المشي، وكأنه الإنسان حين يختار ذاته لأول مرة؛ لا يختار النجاة، بل الصدق. والصدق غالباً طريق طويل، بارد،لا تصفق له الجموع.
نحن -غالباً- نميل إلى اختزال هذا الفعل في خانة الفضول، والخلل المفاجئ، والجنون المؤقت؛ لأننا نخاف أن نعترف بأن في داخل كل واحد منا بطريقاً يريد أن يخرج، أن يترك الاصطفاف الجماعي، أن يسأل: هل هذا الطريق طريقي حقاً؟ لكننا نحبذ البقاء في القطيع، لا لأننا مقتنعون، بل لأن الوحدة مكلفة، ولأن النهاية خارج الصف غير مضمونة.
توقّفَ البطريق في النهاية، سقط، مات جسده، لكن قصته بقيت.
بقيتْ؛ لأنها تشبهنا أكثر مما نحب الاعتراف به. فنحن أيضاً نمشي أحياناً في طرق لا نعرف لماذا اخترناها، فقط لأن البقاء في الصف أصبح أهون من الموت خارجه. على الرغم أننا لسنا جميعاً مطالبين بالوصول، بعضنا خُلِقَ فقط ليغادر الصف، ليطرح السؤال، ثم يمضي.
فليست كل النهايات فشلاً، وليست كل المغادرات ضياعاً.
فبعض الأرواح خُلِقتْ لتكون سؤالاً مفتوحاً، لا إجابة له. فهذه الأرواح تمشي طويلاً، تتعب، تسقط، لكنها تترك أثراً لا يموت؛ لأن المعنى الحقيقي لا يُقاس بالبقاء، بل بالجرأة على أن تكون نفسك، ولو حتى آخر خطوة.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي