‏(وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبَا).. عندما تلبس الأحلام أكفانها !!

بداية ظهور الشيب لا يمكن وصفه بعلامة زمنية فقط، بل كشْفٌ روحيّ عن لحظة التحوّل الكبرى في وعي الإنسان بنفسه وبالطريق.
فظهور الشيب ليس انطفاءً للجسد، بل يقظةً للروح. فالشيب لا يأتي ليعلن الهزيمة، بل ليُسقط الأوهام واحدةً بعد أخرى. فهو رسولُ الحقيقة حين تَسقُط الزينة، وتخفت ضوضاء الرغبات، وينخفض ضجيج النزوات، ويصير الإنسان أقرب إلى جوهره منه إلى صورته.
ففي بدايات العمر،نعيش بالأحلام؛ ونُراكم الأمنيات كما تُراكم الدنيا زخارفها، ونظن أن الزمن حليفٌ مطيع، وصديقٌ ودوُّد، وأن المستقبل مساحة مفتوحة لكل ما نشتهي، لكن حين يشتعل الرأس شَيْبَا؛ يشتعل معه سؤال المعنى:
ما الذي يستحق أن يُحمل؟
وما الذي آن له أن يُدفن بسلام؟
إن قدوم الشيب على مطايا أحلامنا وأمانينا لا يعني موت الرجاء، وإعلان نهاية السعي، بل موت صغائر الأحلام إلى ما لا نهاية، فقدوم الشيب وفق هذا المعنى هو تشييعٌ لما كان يطلب الدنيا لذاتها، لا لما كان يطلب الله من خلالها.
كذلك لا يمكن النظر إلى ظهور الشيب علامة تَقدُّم في العمر فقط، بل يمكن النظر إليه كطهارةٍ تُخلِّص الإنسان من أدران صغائر أحلامه. فكلُّ حلمٍ لم يكن جسراً إلى الله؛ فهو عبءٌ لا بد أن يُوارى ثرى الزهد والحكمة.
وعلى الرغم ما ينتاب الإنسان من معاني الرسالة الأولى لظهور الشيب، وهي أن الطريق لم يعد طويلاً،ولكنها رسالة تُربك القلب وتُهذّبه في وقتٍ واحد؛ فهي ليست تهديداً، بل رحمةً؛ لأن قِصر الطريق يعني وضوح الوجهة، ولم يعد ثَمَّةَ وقت للالتفاف، ولا حاجة للمبالغة في التعلّق، وهنا يبدأ الزهد الحقيقي، أن تُمسك الدنيا بيدٍ رخوة، وتمسك الآخرة بقلبٍ مؤمنٍ يقظ.
وهذا التهذيب والتأديب الذي يمنحه الشيب لصاحبه؛ يجعله ينظر إلى الشيب كآية، لا عيب.
وتمتد هذه الرؤية الإيمانية إلى الشيب كوصفٍ للنور لا للانطفاء، وكأن الرأس يتهيأ ليكون مصباحاً أخيراً قبل الرحيل؛ فهو يضيء ما بقي من الطريق، لا ليستعرض الحياة، وما مضى منها، بل ليستقيم عليها، وعلى ما تبقَّى منها.
وتتجلى الرؤية الإيمانية حين يدرك الإنسان أن بلوغه مرحلة ظهور الشيب، وبياض شعره،عندما يدرك أنه يبيضّ الشعر؛ يُدعى القلب إلى أن يتطهر معه، من الحقد، ومن الغفلة، ومن ثقل المقارنات؛ فالعمر في ميزان الإيمان ليس بطوله، بل بما نُقّي فيه، وأنه كلما قصر الطريق؛ اشتدّ النداء: خَفِّفْ، سامحْ، ارجعْ، واطرقْ باب الله بقلبٍ أقل ازدحاماً.
عندها يعي الإنسان أن هذه المعاني ليست رثاءً للزمن، بل وصيّة للروح، ألَّا تحزن على الأحلام التي ماتت، بل عليه أن يسأل نفسه: هل بقي حلمٌ واحدٌ يستحق أن تُختم به الرحلة؟
فمن وجد الله في آخر الطريق؛ فما فاته شيء، حتى ولو لبستْ الأحلام كل أكفانها.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *