هذه الأجزاء.. جميعهم أنا!

ليست النفس الإنسانية سطراً مستقيماً يُقرأ بسهولة، بل هي مخطوطة قديمة، تتداخل فيها الحروف، وتتزاحم فيها المعاني، وتتناوب عليها الفصول. فنحن لا نعيش بحالةٍ واحدة، ولا نسير بروحٍ واحدة، بل نحمل في داخلنا أصواتاً متعدّدة، تتجادل أحياناً، وتتعارك غالباً، وتتصالح أحياناً، لكنها في النهاية تنتمي إلى ذاتٍ واحدة، كما قال محمود درويش:‏ “جزء مني يقاوم، وجزء منهار، وجزء لا يبالي، وجميعهم أنا”
فثَمَّة جزء داخلنا لا يزال يقاوم، وهو الذي يحمل جذوة النور في عتمة طرقاتنا.
وهذا الجزء هو الذي يتمسَّك بالأمل حين تتكاثر الخيبات على قصعة حياتنا، ويشدُّ على يد الصبر حين ترتخي الإرادة. وهذا الجزء ليس بالضرورة قوياً دائماً، لكنه مؤمن بأن ما نعيشه حكمة لم ندرك غايتها، وبأن للغد معنى، وأن الانكسار ليس نهاية الطريق. وهو صوت الفطرة حين تنادي الإنسان إلى النهوض، وصوت الإيمان حين يهمس:
“لا تيأس،فالله معك”
في المقابل نجد أن بداخلنا جدار قد تهاوت لبناته، وانهارت قواه.
وهذا الجزء المنهار مِن ذواتنا هو اعتراف صادق بإنسانيتنا، وهو ذلك الركن الذي تعب من الادعاء، وسئم من ارتداء الأقنعة. إنه انكسار لا يخلو من حكمة؛ لأن السقوط أحياناً يعرّفنا بحدودنا، ويعيدنا إلى بشريّتنا وتواضعنا الأول الذي خُلقنا عليه.
ففي هذا الانهيار خشوع خفي، ورجوع مؤدّب، وفي الضعف باب مفتوح نحو التشافي من التعلّق بالمطلق، وفيه أيضاً تأديب عظيم للنفس، وتهذيب لأطماعها.
فحين ينهار الإنسان؛ يتخفف من وهم السيطرة، ويتذكر أنه عبدٌ قبل أن يكون فاعلاً في هذا العالم.
في حين لو تلمَّسنا ذواتنا؛ لوجدنا أن ثَمَّةَ جزء بداخلنا لا يبالي، وهو لا يرمز إلى القسوة دائماً،بل قد يكون طوق نجاة. فأحياناً تتبلّد الروح؛ لتحتمي من فرط الألم.
فاللامبالاة التي تكسو هذا الجزء من ذواتنا ليست موتاً كاملاً للشعور، بل استراحة محاربٍ أنهكته المعارك الداخلية. فهي محاولة لتسكين الضجيج، ولو بثمن الصمت، لكنها إن طالت؛ تحوّلت إلى غربة عن الذات، وانفصال عن المعنى.
العجيب في الأمر، أننا نظن أن هذه الأجزاء متناقضة، بينما هي وجوهٌ لحقيقةٍ واحدة. فالمقاومة لا تُفهم دون انهيارٍ سابق، واللامبالاة لا تولد إلا بعد صراع طويل.
فنحن لا نتجزأ حين نمرّ بهذه الحالات، بل نكتشف عمقنا.
وهذا يُعمّق المعنى الذي يقول أن النفس بحر تتغيّر أمواجه، لكن ماءه واحد.
وهذه دعوة للتصالح مع كل هذه الأجزاء، ففي التصالح مع هذه الأجزاء سلام وسكينة وطمأنينة ورضا، عبر الجلوس مع ذواتنا جميعاً على مائدة واحدة،نصغي دون قسوة، ونفهم دون محاكمة. عندها ندرك أن الإنسان ليس كتلة صلبة، وليس ذات أصابها التشظْي، بل كائن في تحوّل دائم، وأن الله خلق فينا هذا التعدد؛ ليكون مساحة اختبار،ومساحة رحمة أيضاً.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

الحلقات السابقة من روشتة وعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *