الفرق بين النور والظلام ليس مجرّد لعبة لغوية، بل هي انقلاب في المفهوم ذاته؛ إذ تعوّدنا أن نّعدّ الضوء قرين الإبصار، والظلام قرين العمى، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً، وأن الرؤية ليست فعل عينٍ فحسب، بل فعل وعي.
فالضوء الكثيف حين يفيض؛ يُسَطّح الأشياء، ويجعلها مكشوفةً حدّ الابتذال، وحاضرةً حدّ الاعتياد. فنحن في وضح النهار نرى كل شيء؛ ولذلك لا نرى شيئاً بعينه؛ فتتزاحم التفاصيل حتى تفقد فرادتها، ويغمرنا الامتلاء حتى نعجز عن التمييز.
أما الليل، فإنه لا يمنحنا كثرة المرئيات، بل يمنحنا صفاءها؛ يسحب الخلفية، فيُبرز النقطة؛ يُسكِت الضجيج،فيُسمِع الهمس؛ يطفئ الألوان؛ليوقظ المعنى.
فالنجوم لا تولد في الليل، لكنها لا تُرى إلا فيه. وهكذا أيضاً الحقائق العميقة في الإنسان لا تتشكّل في لحظات الانكسار،لكنها لا تُدرك إلا عبرها.
ونحن على المستوى الإنساني لا نعرف حجم الضوء في داخلنا إلا حين يحيط بنا الظلام، ولا نتبيّن جوهر الأشياء إلا حين تُسلب منا زينتها الساطعة.
إن الضوء في بُعْده الرمزي قد يكون ضوء العادة، وضوء اليقين السهل، وضوء الإجابات الجاهزة. إنه يمنحنا طمأنينة سريعة، لكنه يحجب عنا رهبة السؤال.
أما الظلام فهو فضاء الشكّ الخلّاق، ومساحة التأمل، وموضع إعادة الترتيب الداخلي.
ففي عتمة الظلام نضطر أن نُبطئ، وأن نُصغي، وأن نستعين ببصيرةٍ لا تعتمد على العين وحدها.
ولعلّ أخطر ما في الضوء أنه يُوهمنا بالاكتفاء، فكل شيء ظاهر؛ فلا حاجة للبحث، وكل شيء مكشوف؛ فلا حاجة للتأمل.
بينما الظلام يُذكّرنا بحدودنا، ويُشعرنا بأن الرؤية ليست حقاً مكتسباً، بل نعمة تُمنح لمن يتعلّم كيف ينظر.
ووفق هذا التصور؛ ليس الظلام نقيض النور،بل شرط ظهوره، كما أن الصمت شرط الكلام، والفقد شرط الامتنان، والوحدة شرط المعرفة بالذات.
وبناءً عليه؛ فالحياة لا تُفهم من طرفٍ واحد، إنها جدلٌ مستمر بين الامتلاء والفراغ، بين الحضور والغياب، بين النهار الذي يُريّنا العالم، والليل الذي يُريّنا أنفسنا.
وحين نقبل هذه المفارقة؛ يتغيّر موقفنا من الألم، ومن الغموض، ومن الفترات التي نشعر فيها أننا نسير بلا مصابيح.
ولعلَّ ثَمَّةَ درس علينا فهمه وإدراك محتواه، وهو أنه ربما لسنا محرومين من الرؤية، بل نُدَرَّب على نوعٍ أعمق منها، وربما يُنتزع منا ضوءٌ ما، لا لنُترك في الظلام، بل لنكتشف نجوماً لم نكن نلحظها.
فالرؤية الحقيقية ليست أن تُغْمر بالنور،بل أن تمتلك القدرة على الإبصار في كلتا الحالتين، وأن تعرف أن لكلّ ظلامٍ سماءه الخاصة، ولكلّ ليلٍ نجوماً تنتظر من يرفع رأسه إليها.
وهكذا؛لا يعود الظلام خصماً بالكلية، ولا يصبح الضوء صاحب الفضيلة، بل يغدو الاثنان معاً مَعْلمَين على طريق الوعي، أحدهما يكشف الأشياء، والآخر يكشف المعنى.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي