ما الذي نتذكره ؟
وما الذي نتجنبه عندما نُقلِّب أرشيف ذاكرتنا؟
يبدو أن ذاكرتنا في أكثر الأوقات تتخلى عنا،وتنحاز لرغبتها في اصطفاء ما يروق لها دون أن تضع في ذهنها اعتباراً لنا.
حينها نشعر أن ثَمَّةَ ثقب في جدار ذاكرتنا؛تتسلل منه تلك الأشياء التي تقض مضجعنا؛لتنفذ من ذلك الثقب وتسكن في أقاصي ذاكرتنا؛لتمارس معنا مخاتلةً لا نملك القدرة على الإمساك بها؛فتؤذينا،وتعكر صفو يومنا،وتفسد علينا مزاجنا.
ولعلَّ الفيلسوف مونتيني صدق حينها وصفها قائلاً:
“لا تخبرنا الذاكرة بما يحلو لنا،بل بما يحلو لها”
فالذاكرة ليست خزانةً مطيعة،ولا أرشيفاً نفتح أدراجه متى شئنا؛لنستخرج منه ما يجمّل صورتنا،أو يخفف وطأة ماضينا.
إنها كائن خفيّ يسكننا،لكنه لا يخضع لنا. ونحن نظن أننا نستدعيها،بينما الحقيقة أنها هي التي تستدعينا.
إن الذاكرة ليست مرآة صافية،بل مرآة ذات مزاج؛فهي تختار زاوية الرؤية،وتُسقِط من الصورة ما لا ينسجم مع سرديتها الخاصة. ففي الوقت الذي نرغب في أن نتذكّر اللحظات التي انتصرنا فيها،والتي كُنّا فيها أكثر حكمةً،وأكثر صفاءً، وأنقى براءةً،لكنها بعنادٍ خفيٍّ تُعيِّد إلينا تلك اللحظة التي أخفقنا فيها،وتلك الكلمة التي قلناها،ثم تمنّينا لو لم نقلها،وذلك الصمت الذي كان يجب أن يُكسَر ولم يُكسَر.
وكأن في الذاكرة عدالةً لا تشبه عدالتنا،فنحن نبحث عن التبرئة،وهي تبحث عن الحقيقة. ونحن نطلب الراحة،وهي تستحضر الدرس. ونميل إلى الانتقاء،وهي تميل إلى التذكير.
لهذا تبدو الذاكرة أحياناً قاسية؛فهي لا تُعيِّد الألم عبثاً،بل تُعيِّده؛لأن في الألم معنى لم يُفهم بعد.
وكأن الذاكرة -وفق هذا المعنى- تقول لنا:ما لم تواجهه بوعي؛سيظلّ يعود،وما لم تُصالحه في داخلك؛سيظلّ يطرق بابك في أشد اللحظات هدوءاً.
إن الذاكرة ليست مجرد استرجاعٍ للماضي،بل إعادة تشكيلٍ للهوية.فنحن لا نعيش بما حدث،بل بما نتذكّره مما حدث؛لذلك قد يمر اثنان بالحدث ذاته،ويخرجان منه بحياتين مختلفتين؛لأن ذاكرة كلٍّ منهما انتقت ما يوافق جرحه،أو حاجته،أو خوفه.
إنها ليست موضوعية،لكنها ليست اعتباطية أيضاً،تتحالف مع مشاعرنا العميقة،مع مخاوفنا غير المُعلنة،مع رغباتنا التي لم نعترف بها؛فنجدها تُضخّم حدثاً صغيراً؛لأنه مسّ جوهرنا،وتُصغّر حدثاً عظيماً؛لأنه لم يترك أثراً في أعماقنا.
إن التصالح مع الذات يبدأ من فهم الذاكرة،لا من محاكمتها،ولا من محاولة إسكاتها،بل من الإصغاء لما تريد قوله.
فالذكرى التي تؤلم ليست عدواً،بل رسالة. واللحظة التي تتكرر في وعينا ليست عبئاً،بل باباً لفهمٍ لم نبلغه بعد.
فحين ندرك أن الذاكرة ليست خادمةً لرغباتنا،بل شريكةً في تشكيل وعينا؛نصبح أكثر تواضعاً أمامها،ونكفّ عن الهروب من صورها،ونتعلّم أن نعيد قراءتها بوعيٍ جديد. فربما لا نستطيع أن نختار ما نتذكّر،لكننا نستطيع أن نختار كيف نفهم ما نتذكّر.
وفي ضوء هذا الفهم؛يتحرّر الماضي من كونه قيداً،ويصير مُعلِّماً،وتكفّ الذاكرة عن أن تكون خصماً؛لتغدو طريقاً نحو نضجٍ أعمق،وصدقٍ أشمل مع الذات.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي