أكثر ما نشاهده هذه الأيام على شاشات القنوات الفضائية عبارة (خبر عاجل)، وكأن العالم يقف في طابور طويل من تدفُّق الأخبار.
إن عبارة «خبر عاجل» ليست مجرد جملة تُكتب على شريطٍ أحمر يمرّ أسفل الشاشات، ولا هي مجرد إشارة إعلامية إلى حدثٍ طارئٍ وقع قبل لحظات، بل هي في جوهرها إعلانٌ فلسفي عن طبيعة الزمن نفسه، وعن هشاشة استقرار الإنسان في هذا العالم.
إن كلمة (عاجل) تُذكّرنا بأن الحياة لا تسير على وتيرةٍ ثابتة كما نتوهّم، بل تتقافز بنا من لحظة إلى أخرى، حيث يمكن لحدثٍ واحدٍ أن يُعيّد ترتيب المعنى كله في حياتنا.
فحين يظهر الخبر العاجل؛ يتوقف الناس قليلاً، وكأن الزمن نفسه يرفع يده قائلاً: انتبهوا،فهناك شيء ما يتغيّر. وفي هذه الوقفة القصيرة ينكشف سرّ من أسرار الوجود: أن الإنسان يعيش دائماً على حافة المجهول؛ فما نظنه استقراراً ليس إلا استراحة مؤقتة بين خبرٍ عاجلٍ وآخر، وبين تحوّلٍ لم نتوقعه ومصيرٍ لم نخطط له.
ومن زاويةٍ أخرى، فإن عبارة خبر عاجل ليست وصفاً للحدث نفسه بقدر ما هي وصفٌ لوعينا.
فالخبر لا يصبح عاجلاً إلَّا لأننا كنا نظن أن العالم ثابت، لكن الحقيقة أن العالم في حركةٍ دائمة، وأن التغيّر هو القاعدة، أما الثبات فمجرد وهمٍ نتمسك به لنشعر بالأمان؛ لذلك فإن كل خبر عاجل هو في الحقيقة رسالة فلسفية تقول لنا: أن الحياة لا تُدار وفق توقّعاتنا، بل وفق قانون التحوّل المستمر.
ولهذا يمكن النظر إلى الإنسان نفسه بوصفه خبراً عاجلاً في هذا الكون؛ يولد فجأةً، ويكبر على عجل، وتتغير أفكاره وأحلامه بسرعة، ثم يمضي قبل أن يدرك وبشكلٍ كامل قصة تغيُّر أحواله.
إننا -وفق هذا التصور- لا نعيش حياةً هادئة كما نظن، بل نعيش سلسلة متلاحقة من الأخبار العاجلة، لقاءٌ يُغيّر مسارنا، كلمة تفتح باباً في وعينا، خسارة تُعيّد تشكيل أرواحنا، أو فكرة تُوّلَد فجأةً؛ فتجعلنا أشخاصاً مختلفين.
وفي العمق الروحي لهذه العبارة، يُذكّرنا الخبر العاجل بأن الإنسان ينبغي أن يكون يقظاً دائماً؛ فالعالم لا ينتظر غفلتنا، والقدر لا يطرق الأبواب قبل أن يدخل؛ لذلك فإن الحكمة ليست في محاولة إيقاف العجلة، بل في امتلاك وعيٍّ قادر على قراءة التحوّلات قبل أن تبتلعنا، وهذا الوعي هو الطريقة الوحيدة التي يمكن بها للإنسان أن يعيش وسط عاصفة الأخبار دون أن يفقد نفسه.
وهكذا تتحول هذه العبارة البسيطة إلى مرآةٍ للفلسفة الوجودية للحياة، مفادها أن كل لحظةٍ تحمل احتمال التحول والتغير،وأن الزمن لا يمنحنا طمأنينةً دائمة، وأن الوعي وحده هو ما يجعل الإنسان قادراً على العبور بين مفاجآت العالم دون أن يتحطم.
فالحياة كلها -في حقيقتها العميقة- ليست سوى شريطٍ طويل من الأخبار العاجلة التي يكتبها القدر، ويقرأها الإنسان متأخراً في أغلب الأوقات.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي