🖋️ لا تفتؤ التغيرات الكونية تذكِّر الإنسان بالحقيقة الكامنة في نفسه تحت غلالة من الأوهام، والمنطمرة في داخله تحت حاجزٍ من الرُّكام، فهي تذكره بضعف حيلته وطول حيرته وشدة حاجته، ثم هي تحرك في داخله كوامن الإيمان وبواعث الاشتياق إلى الركون إلى قوة قاهرة متجاوزة لكلِّ ما كان يتوهمه ثابتًا باقيًا، ثم أمسى أمام عينيه حلقةً صغيرة منتظمة في خيوط الفناء، ليدرك مع توالي الآيات الحقيقةَ الكبرى بأن الله هو الحق، وأن ما دونه هو الباطل، وأن إليه المنتهى، وأن بيده كلَّ شيء.. كلَّ شيء!
فالتغيرات الكونية تدفع كثيرًا من الناس نحو محاريب الإيمان، ومن أسباب ذلك استشعار الضعف البشري، وتبدُّد جحافل الوهم الإنساني بالسيطرة والاستحواذ، ومكابدة الشعور بالقلق من المستقبل، فربما وجد الإنسان نفسه في تلك الحال مُصغيًا للعبارة الهولندية المترجمة: (لا تَخَفْ أن تُسلِّم مستقبلا مجهولا لإلهٍ معروف!).
ومع اشتداد التغيرات المصاحبة للآية الكونية وسعة آثارها يعظم الأثر الإيماني في نفوس الخلق، قال الله تعالى في ذكر أحوال الناس عند التغيرات الكونية الطارئة: (وإذا غشیهم موج كٱلظلل دعوا ٱلله مخلصین له ٱلدین فلما نجىٰهم إلى ٱلبر فمنهم مقتصد وما یجحد بـٔایـٰتنا إلا كل ختار كفور)، فاجتمعوا في حال غشيان الموج على الإخلاص والابتهال، ثم انقسموا حين خلصوا إلى فريقين: مقتصدٍ في الشكر، وختارٍ كفور.
وقد يخفِت الأثر الإيماني، فلا تظهر آثاره في الوقت المناسب، وذلك لوجود الموانع من غلبة الجهل وكثافة الهوى كما قال تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر)، ومن نظر في كتابِ الله وجد أنَّ من كذَّب بآيةٍ من الآيات فإنه لا يكاد ينتفع بغيرها، ولذلك قال تعالى في هذا الموضع: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر)، فذكر آية انشقاق القمر، ولم يقل بعدها: (وإن يروها)، وإنما جعلها عامةً حكايةً لأحوالهم مع سائر الآيات. ومن نظر في كتاب الله تعالى أيضًا؛ وجد أن كلَّ من اهتدى بآيةٍ زاده الله هدى وآتاهم تقواهم.
وفي أحوالٍ كثيرة تكون التغيرات الكونية كاشفة لا منشئة، فما كان مستترًا من الإيمان والأخلاق والطبائع في زمن الرخاء؛ فإنه ينكشف ويظهر في زمن التقلبات، فعند المحن تظهر كمائن النفوس.
دلائل الحق ظاهرة لا قاهرة:
والإيمان المحمود هو الإيمان بدلائل الحق الظاهرة، وليس هو الإيمان بدلائل الحقِّ القاهرة، فإن الله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب، وجعل في النفوس الفطرة القابلة للإيمان، وأودعَ في كتبه السماوية وفي كونه الفسيح من الدلائل والبراهين ما يسوق الناس إلى الإقرار بالربوبية والخالقية والوَحدانية وسائر الشرائع لمن ألقى السمع وهو شهيد، ثم انقسم الناس حيال تلك الأدلة الكثيرة إلى مؤمنٍ مذعن للأدلة، وكافرٍ غلبته الأهواء المضلَّة، ثم إذا زادت درجة الوضوح لهذه الأدلة، وانتقلت من كونها ظاهرة إلى كونها قاهرة أمسى الإيمان حينئذٍ تحصيلَ حاصِلٍ لا فضيلةَ فيه، فالقهر يسقط حق الإنسان في الاختيار، وإنما يحمد الاختيار الصحيح مع تعدّد الاختيارات!
وقد ساق الله تعالى أخبارًا من هذا الانتقال وعدم الانتفاع بذلك الإيمان في غير موضعٍ في كتابه العزيز، فمن ذلك قوله تعالى: (حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن)، وقوله تعالى: (ءالـٔـٰن وقد عصیت قبل وكنت من ٱلمفسدین)، فهذه أحوال شتى من تضييع فرص الإيمان في زمن الإمكان حينما كانت دلائل الحق ظاهِرة لا قاهِرة. يقول الشيخ المعلمي في لغةٍ رشيقة: (وأنت ترى دلالات القرآن كثير منها ليست بقاهرة، ومن الحكمة في ذلك: الابتلاء، فالمحب للحق تكفيه الدلالة الظاهرة، والمحب للباطل يتأول ويتعلل).
الإيمان الاضطراري:
ومن أحوال انتقال الأدلة من كونها ظاهرة إلى كونها قاهرةٍ مِـمَّـا يتعلق بالتغيرات الكونية؛ إذا حدث التغير الأعظم في آخر الزمان، وانخرم نظام الشمس المألوف، وخرجت من مغربها، فدخل الناس في الإيمان جميعًا، فلم يبق على هذه الأرض كافر بالله العظيم، ولكن هذا الإيمان لا ينتفع به هؤلاء، وذلك -والله أعلم- لكون إيمانهم بعد تلك الآية الكونية المهولة المتجاوزة لجميع التغيرات الكونية المعتادة لا فضيلة فيه، فكأنه إيمان قسر وقهر، وليس إيمان اختيار وإذعان، وكأنه إيمان نظر ومعاينة، وليس إيمانًا بالغيب!
ومن أجمل ما مرَّ بي تقريرًا لهذا المعنى ما ذكره الشيخ المعلمي في تفسير هذا الإيمان الجماعي: (إذا طلعت الشمس من مغربها لحقهم من الذعر والرعب لشدة الهول ما يمحق أثر الشبهات والأهواء وتفزع النفوس إلى مقتضى فطرتها)، فالموفق من أدرك الحقائق الكبرى في أوانها المناسب قبل أن يجد نفسه مؤمنًا تحت سلطة القهر والإذعان! ولاتَ حين مناص!
د. سليمان بن ناصر العبودي
مقالات سابقة للكاتب