المعاناة الخفية التي لا يدركها غيرك،
الألم الذي بصبح مرافق لفتراتك الحالية،
وكل المعاني التي تتشكل من تجارب الحياة،
وكل المشاعر والأحاسيس والأفكار التي تختبرها،
حين تمر عليك الحكم والحقائق،
وتفهم كل ذلك وتؤمن به،
وتعرف أن النفس الإنسانية أعمق وأشبك من كل تلك البساطة،
لا تستعجل تجلي الحكمة والموعضة إلى قلبك سريعا،
هناك أشياء تأخذ وقتها حتى تنقضي،
وسع دائرة التعلم في كل إبتلاء،
فإستبصارك بالتجربة هو ما يحدث أبلغ الأثر في التعلم وإدراكك المغزى من كل ذلك، والتطوير بعده،
التي تستوعبها وتتعرف عليها لوحدك،
لا طوق نجاة، ولا تجاوز ولا عبور ولا قفز،
وإن وددت العبور للضفة المقابلة بالسرعة،
والهرب من كل ذلك،
تبقى عجلة الحياة تريد الأخذ من روحك،
ليمضي عليك ما يمضي على غيرك،
تعيدك الحياة في كل مرة للتسليم والقبول،
للتعايش والفهم لمحاولة التعلم،
كم مره تلذذنا بالمتعة والجمال وكل مسرات الحياة التي أبهجتنا وتشبثنا بها وإحتفينا بها كثيرا،
كم مره وجب علينا أن نفهم أن نقف عند ألامنا،
أن نترك للمرارة تأخذ قسماتها من أرواحنا،
أن نفهم صعوبة الموقف ونتعايش معه،
أن نفهم الحكمة في العسر حتى يحين الله أن نصل لليسر،
ولكن هناك محطات يجب علينا العبور من خلالها،
أن لا نستبق الأحداث ونستعجل الرحيل للمحطة التالية،
فكل محطة لها أوانها ومداها،
كم مره وجب عليك التربيت على نفسك،
أن تنظر لعينيك في المرآة وتعلم نفسك من جديد حب ذاتك،
أن تقف لبرهة في زوايا من زوايا الأيام،
وتعيد الإصلاح وتحيي حياتك من جديد،
أن تستدرك الرحمة في كل معانيها،
وتوجهها برفق لنفسك،
أن تعيد تركيزك للحظة الحالية وتستلذ بتفاصيلها وأنسها وكل ما بها،
أن تبرح عن قلبك الألم، وتداوي جراحه بالذة والأمل،
أن تغرس في قلبك بذور جديدة من التفاؤل والإيجابية،
أن تولد لديك القوة للتخلي والترك والإقدام،
لكل منعطفات الحياة التي حالت بنا ووقفنا عندها طويلا،
تارة بعدم القدرة على التجاوز، وتارة في تشبثنا نحن بها،
ما بين ألم، وما بين عدم رضا،
وما بين جموح كل تلك الرغبات التي لم تفد كل تلك الكلمات في تسكينها وقنوعها،
وما بين كل لحظة نسلى ونظن أن الفرج قد حان،
وما بين كل إنتكاسة وإنهيار،
التي ما هي إلا رحمات من الله لك،
وترويحات لروحك في كل إبتلاء،
لوقت لك من النسيان والتعافي والبهجة،
وما بين كل قوة عميقة في الرغبة في التعافي،
في حب الذات وتقديرها ومعرفة قيمتها،
تلوح في مخيلتنا تلك الصورة الذاتية الرائعة عن أنفسنا التي تدفعنا للمحاولة،
ولمعرفة أن الحياة أوسع وأوفر وتتعدد مسراتها من كل شيء،
العافية هي الأمل الذي يدفعنا في كل مرة للمحاولة
في مزاولة كل تلك الأشياء التي نحب،
للعودة من جديد وللبدء من التفاصيل الصغيرة،
في محاولة هدوء الفكر ودفئ القلب وغنى الروح وبهجتها،
لقلب طفل يندهش بالأشياء، ويطيل النظر، ويسأل كثيرا،
وبندفع لما يريد بقوة، ويضحك بصوت عالِ، ويلعب كثيرا دون ملل،
التعافي الروحي في أحضان الطبيعة، وإسترخاء الجسد،
وطول التأمل لحفيف الأشجار، وأشعة الشمس، وتغريد العصافير،
لسعة الأرض، ورحابة السماء، وإتساع المدى،
فتستلهم من كل تلك السعة والرحابة والإتساع،
أن الحياة كبيرة جدا، والمشاعر كثيرة،
والأفكار والفرص والأشخاص والأماكن،
أن الحياة أكبر من ألمك، وما يشغلك،
وأن ما فقدت يوجد غيره الكثير،
أن تؤمن بالجبر والعوض والتعافي والنسيان،
وأن الحياة قابلة للتغيير والتبديل،
وأن ما أهمك لا يساوي شيئا يذكر أمام هذه المساحات الشاسعة في الكون،
وتأمل وفرة الهواء، وسلو الطيور وهي تحلق في الأرجاء،
لكل النوافذ التي تفتح في داخل روحك فتشعر بعمق نفسك وتلامس شفافية روحك فتشعر بالخفة،
وما بعد العسر إلا يسر،
وفي كل كرب يتلوه كشف،
وما بعد الضيق إلا السعة،
وما بعد الإنغلاق إلا الفتح،
وما بعد الحيرة إلا الوضوح،
وما بعد الشدة إلا الفرج،
وأجمل ما في الأزمات أنها فرصة تمكنك لإعادة بناء ذاتك من جديد،
ورؤية حياتك وترتيبها مرة أخرى،
لكل تلك التحولات التي تحدث نتيجة ذلك،
فتغدوا من بعد الثبات والرتابة شيئا أخر مختلف،
لا تنظر للألم وحده، ولكن أنظر للألم والأمل معا،
ولا تنظر لكل تلك العقبات وحدها،
ولكن إستبصر الحكمة التي جلبتها،
ولامس رحمات الله بك في كل حين،
وفضله عليك، وسعة رزقه،
مواقف الحياة الصعبة تعلمنا الصبر والقوة،
وتفتح لنا طريقا للجوء إلى الله والتضرع له،
تأخذنا للتوكل على الله واليقين به والرضا عنه،
ترشدنا لمواجهة ضعفنا مهما بلغنا من قوة،
وأن الإنطفاء والذبول وارد مهما بدونا بإنضواء وبهاء،
وأن النعم زوالة، وأن لا شيء يبقى على حاله،
الدنيا مدرسة ودار لهو وإبتلاء،
فإذا عرف الإنسان تلك الحقيقة،
كان أكثر سلاما ورضا وصبرا وتسليما،
فلا يأخذه الكبر والفخر والعلو بما لديه فيتواضع،
ويدنوا من الخلق بالنفع،
ولا يأخذه القنوط بما أبتلي به،
فالعبد ضعيف ويقوى بربه،
ويعلم أن الرزق مقسوم،
ورحمة الله وسعت كل شيء.
رحاب الوافي
مقالات سابقة للكاتب