في زمن تتسارع فيه الأخبار وتنتشر فيه الإشاعات بسرعة البرق، أصبح البهتان – وهو الكذب على الناس بنسبة ما لم يفعلوه إليهم – من أخطر الأسلحة التي تهدم المجتمعات، وتزرع الشحناء بين القلوب، وتفتت الروابط الإنسانية. وقد حذّر القرآن الكريم من هذه الجريمة تحذيرًا شديدًا، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب:58). وفي حادثة الإفك التي اتُّهمت فيها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قال تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (النور:16)، ليؤكد فظاعة الافتراء وحرمة نشره.
ولم يقف التحذير عند حدود القرآن الكريم، بل جاءت السنة النبوية لتزيد الأمر وضوحًا وشدة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا الْغِيبَةُ؟ قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ. قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ). رواه مسلم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال ﷺ: (مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ، أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ) حديث حسن (رواه أبو داود وصححه الألباني)، وردغة الخبال: عصارة أهل النار – والعياذ بالله -. وهكذا جعلت النصوص الشرعية البهتان من كبائر الذنوب.
وفي أثر صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما شهد ثلاثة على المغيرة بن شعبة بالزنا وتوقف الرابع، أسقط الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحد عنه، وأمر بجلد الثلاثة حد القذف، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (النور:4)، ليؤكد أن اتهام الناس بلا بينة جريمة كبرى. ولم يقتصر التحذير على النصوص الشرعية، بل وجدت هذه المعاني صدى في الشعر العربي، ومن أبلغ ما قيل في ذلك قول النابغة الذبياني:
لئن كنت قد بُلِّغت عني وشايةً **** لمبلغكَ الواشي أغشُّ وأَكذبُ
إن من يصدق البهتان دون تثبت إنما يفعل ذلك لهوى في نفسه؛ فهو إما يتمنى صحة ما سمع لينتقص من المبهوت، أو يحمل ضغينة سابقة فيجد في الكذب وقودًا لمشاعره السلبية. ولو كان منصفًا لطبّق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات:6)، ولرد الكذب في وجه قائله، أو على الأقل أعلم المظلوم بما قيل عنه ليتمكن من الدفاع عن نفسه. أما الصمت أو القبول فهو مشاركة في نشر الباطل، وتحويله من زلة لسان إلى سلاح يؤذي الأبرياء ويهدم سمعتهم.
والبهتان ليس ماضيًا فحسب، بل هو واقع نعيشه اليوم بأشكال متعددة، خاصة مع انتشار وسائل التواصل. فكم من أبرياء طالتهم ألسنة السوء، واتُّهموا في أخلاقهم وسيرتهم اتهامات باطلة، وروِّج عنهم ما لا أصل له؛ حسدًا أو غيظًا أو رغبة في التشويه. والمؤلم أن بعض هذه الأكاذيب تجد من يصدقها أو يروج لها دون تثبت، فيشارك في الظلم من حيث لا يشعر. لكن الحق لا يخفى، والزمن كفيل بفضح الباطل، والبريء لا تزيده هذه الأكاذيب إلا ثباتًا واطمئنانًا.
وهكذا، فإن البهتان لا يعيش إلا إذا تواطأ عليه ثلاثة: الباهت، والمصدق، والصامت. ومجتمع يترك هذه الجريمة تنتشر دون ردع إنما يزرع في أرضه بذور الفرقة، ويحصد منها الحقد والقطيعة.
فلنحذر أن نكون جسراً يمر عليه البهتان، أو صدى يردد الكذب، أو ستارًا للظلم. الكلمة أمانة، واللسان طريق إلى الجنة أو النار. ولنرد على كل خبر بلا تثبت: “هذا بهتان عظيم”، فنحفظ الأعراض ونصون القلوب ونقطع دابر الفتنة. ولنتذكر دائمًا قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش
باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل
الأربعــاء 06 شوال1447هـ
مقالات سابقة للكاتب