النجيب عبدالله السيهاتي… سيرة تُكتب بماء الذهب!

حين نتحدث عن القامات الإنسانية الكبيرة، فإننا لا نصف أشخاصًا بقدر ما نستحضر قيَمًا متجسدة في هيئة بشر. ومن بين هذه القامات يبرز اسم الدكتور الوجيه عبدالله بن علي السبهاني (أبو نجيب)، بوصفه نموذجًا حيًا للإنسان الذي تجاوز حدود ذاته، ليصبح أثرًا ممتدًا في حياة الآخرين! 

إن الحديث عن أبي نجيب ليس حديثًا عن رجلٍ عابرٍ في زمنٍ مزدحم بالأسماء، بل هو حديث عن سيرةٍ تشكّلت من مواقف، ونُسجت من عطاء، وترسّخت في ذاكرة الناس كقصة خيرٍ لا تنتهي. فبعض الرجال لا تُعرّفهم ألقابهم، ولا تُحيط بهم الكلمات، لأنهم ببساطة أكبر من أن يُختصروا في وصف، وأعمق من أن يُحدّوا في سطر.

و من السهل أن يُقال إن فلانًا تبرّع، أو بنى، أو قدّم، لكن الصعب حقًا أن يكون العطاء جزءًا من تكوين الإنسان، لا طارئًا عليه. وهنا تكمن فرادة أبي نجيب؛ إذ لم يكن العطاء عنده فعلًا موسميًا، ولا مناسبة اجتماعية، بل كان أسلوب حياة، ينبض به قلبه كما ينبض بالدم.

أن تبني مستشفى من مالك، فذلك إحسانٌ عظيم، لأنك تُداوي جسد الإنسان. وأن تُهدي أرضًا لتكون مقبرة، فذلك وفاءٌ نادر، لأنك تُكرم الإنسان في رحلته الأخيرة. وأن تجمع الناس على مائدة سحور، فذلك كرمٌ يُنعش الروح ويُعيد للقلوب دفئها. لكن ما هو أعظم من كل ذلك، أن تفعل الخير وكأنه واجبك اليومي، لا فضلًا تمنّ به، ولا معروفًا تنتظر عليه شكرًا! 

هنا يتجلّى البُعد الفلسفي للعطاء؛ فليس الكرم في كثرته، بل في نِيّته، وليس في ظهوره، بل في خفائه. فكم من عطاءٍ ضخمٍ أفسدته الرغبة في الظهور، وكم من عملٍ صغيرٍ عظّمه الإخلاص. وأبو نجيب من أولئك الذين فهموا هذه المعادلة الصامتة؛ فاختار أن يكون أثره في الناس أكبر من حضوره في المجالس، وأن يكون ذكره في القلوب أصدق من ذكره في الألسن.

لم يكن رجل مبادرات فحسب، بل كان رجل مواقف، وبين المبادرة والموقف فرقٌ عظيم. فالمبادرة قد تكون لحظة حماس، أما الموقف فهو امتحان ثبات. والمواقف هي التي تُخلّد أصحابها، لأنها تُظهر معدن الإنسان حين تضيق الخيارات، وتنكشف النوايا. ومن يعرف الرجال، يدرك أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بما يُقال، بل بما يُفعل حين لا يكون هناك متّسعٌ للكلام.

العظيم أبو نجيب من تلك الفئة النادرة التي إذا ذُكرت، ذُكرت معها الطمأنينة. حضوره ليس مجرد حضورٍ جسدي، بل هو حضورٌ معنوي يُشعر الآخرين بالأمان، وكأن الخير يسير معه حيثما ذهب. وإذا غاب، لم يكن غيابه فراغًا عاديًا، بل مساحة يملؤها الدعاء والامتنان، لأن الأثر الذي يتركه لا يُمحى بسهولة.

وفي زمنٍ تتسارع فيه الحياة، ويغلب فيه الطابع المادي على العلاقات، يصبح وجود نماذج كهذه ضرورة أخلاقية، لا مجرد حالة استثنائية. فالمجتمعات لا تُبنى بالأنظمة وحدها، بل تُبنى بالقدوات. والقدوة ليست من يُتقن الكلام، بل من يُجيد الفعل بصمت! 

إن الفلسفة الحقيقية للعطاء تكمن في فكرة “النقص الذي يُثمر”. أن تُنقص من نفسك لتزيد غيرك، أن تُعطي دون أن تشعر أنك فقدت شيئًا، لأنك في الحقيقة تربح ما لا يُقاس بالمال: دعوة صادقة، أو أثرًا طيبًا، أو ذكرًا حسنًا يمتد بعدك. وهذا ما أدركه أبو نجيب بعمق، فكان عطاؤه امتدادًا لروحه، لا عبئًا عليها.

ولعل أعظم ما يُقال في حق أمثال هؤلاء، أنهم لا يُقاسون بحجم ما قدّموا، بل بعمق ما تركوا. فالعطاء قد يُنسى، لكن الأثر لا يُنسى. والكلمة قد تُمحى، لكن الشعور الذي تزرعه في قلب إنسان يبقى، ويكبر، وربما يتحوّل إلى سلسلة من الخير تمتد من شخصٍ إلى آخر، دون أن يعلم صاحبها.

لذلك، فإن تكريم أبي نجيب الحقيقي لا يكون بكثرة الثناء، بل بالاقتداء. أن يتحوّل فعله إلى ثقافة، وسيرته إلى منهج، وعطاؤه إلى عدوى جميلة تنتقل بين الناس. فالعظماء الحقيقيون لا يصنعون لأنفسهم مجدًا فقط، بل يصنعون طريقًا يمكن للآخرين أن يسيروا فيه.

نقول له:

جزاك الله عن الناس خير الجزاء، فقد كنت بابًا فُتح ولم يُغلق، ويدًا امتدت ولم تنقبض، وقلبًا اتّسع للجميع دون سؤالٍ أو شرط. كنت ولا تزال مثالًا للإنسان الذي يفعل الخير لأنه يؤمن به، لا لأنه ينتظر مقابله.

وختامًا، تبقى سيرة أبي نجيب درسًا هادئًا في معنى الإنسانية؛ درسًا لا يُلقى في قاعة، ولا يُكتب في كتاب، بل يُعاش في تفاصيل الحياة اليومية. إنها سيرة تُكتب بماء الذهب، لا لأن صاحبها أراد ذلك، بل لأن أثرها في القلوب كان أصدق من أن يُكتب بغيره!

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *