كان «نابليون» قد احتل مصر منذ عامين في عام 1798م؛ وأعمل جنوده البطش والقتل ضد مجاهدي مصر الذين انتفضوا لمقاومة المحتل؛ وعلى رأسهم مشايخ وعلماء الأزهر الشريف، ما جعل المحتل يدك الجامع الأزهر بمدافعه لإخماد الثورة، ودخلت خيولهم الأزهر.
وعلى إثر مقاومة شديدة من الشعب المصري والمماليك والمجاهدين المسلمين الذين أتوا للدفاع عن مصر؛ بالإضافة إلى قلاقل في أوروبا؛ غادر «نابليون» مصر تاركًا على رأس جيشه هناك القائد «كليبر»، وقتل «كليبر» من علماء الأزهر الكثير، ودخل الأزهر بخيله وضربه بالمدافع؛ مما كان له الأثر الكبير في إنشاء خلايا سرية تقاوم المحتل الفرنسي، وكانت هذه الخلايا بداية النهاية، حيث استطاع أحد أفراد هذه الخلايا قتل كليبر قائد الحملة؛ مما ألقى الرعب في قلوبهم، وكان لذلك أثرٌ في خروجهم من مصر.
وفي ظل تلك الأجواء الساخنة تواجد الشاب «سليمان الحلبي»، وسليمان بن محمد أمين، كان قد ولد في مدينة حلب السورية ـ فك الله أسرها ـ عام 1777م، لأب مسلم متدين كان يعمل في بيع السمن والزيت، وعاش سليمان في حلب إلى أن تم العشرين من عمره، ثم أرسله والده بعد ذلك إلى الأزهر في مصر لينهل من علومه، فرحل إلى القاهرة لينخرط في رواق الشوم المكان الذي خصص لطلبة الأزهر من أبناء الشام، وانتظم في سلك الدراسة وتتلمذ على يد الشيخ «أحمد الشرقاوي» الذي علمه العلم، كما غرس فيه معنى العزة والكرامة بأفعاله، وكان الشيخ أحمد الشرقاوي مناوئًا بشدة للاحتلال الفرنسي مع بعض المشايخ الآخرين، وعلى إثر تحريضه على الجهاد ضد المحتل تم القبض عليه من المحتلين، وأعدم هو وبعض المشايخ الآخرين.
وعزم سليمان الحلبي على المسير على درب شيخه الشرقاوي، لكنه أراد أن يضرب ضربة مُوجعة في رأس الحية؛ «كليبر» قائد جيش الاحتلال، وبعد أن أعد خطته، تحرك سليمان الحلبي في صباح يوم 15 يونيو 1800م، ودخل إلى حديقة القصر الذي كان يقيم فيه «كليبر» وعلى حين غرة من الحرس طعن سليمان بخنجره «كليبر» أربع طعنات نافذة؛ مات على أثرها «كليبر» في الحال.
وقبض الحرس على سليمان الحلبي، وتمت محاكمته عاجلًا، وفي مثل هذا اليوم (25 محرم 1215هـ) وبكل بربرية أعدموه بـ«الخاذوق» وصلبوه وتركوا الطير والوحش ينهشون من جسده، وقد اصطحب جنود الاحتلال الفرنسي عند خروجهم من مصر عظام «كليبر» في صندوق، وعظام «سليمان الحلبي» في صندوق آخر، ويحتفظ بهما الفرنسيون إلى يومنا هذا في متحف «الإنسان» في باريس، حيث وضعوا إلى جانب جمجمة الحلبي لوحة صغيرة مكتوب عليها: (جمجمة المجرم سليمان الحلبي) ألا لعنة الله عليهم من مجرمين، وتقبل عبده سليمان الحلبي في الشهداء والصالحين.