البناء القيمي في المجتمع الإسلامي

التحدث عن منظومة القيم يمس مباشرة جوهر الإنسان من جهة، ومجال التدافع الحضاري الحقيقي من جهة ثانية، ولكل أمة قيمها المستمدة من ثقافتها لتحقيق التنمية الشاملة المستمدة؛ ولأن العرب كانوا يفتخرون عبر تاريخهم الفكري والحضاري بامتلاكهم لمنظومة قيم متكاملة ذات مرجعية صلبة تستند إلى النظم الاجتماعية العربية وما أقره منها الإسلام وأيضاً ما نزل به الوحي، وتتكون القيم لدى الفرد والمجتمع من خلال التفاعل مع المواقف والخبرات الحياتية المختلفة حيث وجدت تجلياتها في صياغة الإنسان وصناعة محطات مهمة في تاريخ الإنسانية فإن هذه المنظومة بقيت مغمورة في أصولها النظرية بل وحتى في تفصيلاتها العملية. (الفطيسي بتصرف).

تعد القيم الاجتماعية والأخلاق من أهم الركائز التي تبنى عليها المجتمعات، ومن أهم الروابط التي تربط بين أفراد المجتمع وتوجه السلوك البشري داخل المجتمع فمحصلة القيم الأخلاقية حسن العلاقات بين البشر وأسس تبني عليها حقوق وهي في الأساس قيم دينية ومثل أخلاقية، واهتم الدين الإسلامي بكل تفاصيل الحياة ووضح لنا دوره وأهمية هذه القيم في بناء المجتمع والأسرة ودورها في تربية الأولاد، وكان دور الدين كافيًا وشاملًا، حيث تتعلق القيم بالأخلاق والمبادئ التي تنشر المحبة بين أفراد المجتمع وتعميم الأخوة بينهم وتقوية الروابط لاستقرار المجتمع وتماسك الأمم وازدهارها فهي تمثل الجانب المعنوي أو الروحي للإسلام وأيضًا الجوهر والأساس. (الجندي2014)،

فالقيم هي المعايير والموازيين الضابطة للإنسان والتي تمكنه من اختيار أهدافه وتوجهات حياته حتي تتفق مع إمكانياته، فيتضح لنا أن القيم هي تلك المعايير الأخلاقية الإسلامية التي تسير عليها الحياة سواء للفرد أو المجتمع؛ لذا جاء التعبير القرآني أعمق وأشمل في بعض الآيات التي صورت لنا ذلك الجانب بين القيم والمجتمع والأسرة والأبناء وفق تصوير قد أوحى لنا مدى عمق القلب وإحساسه وأن تلك الأخلاق والقيم لم تكن يومًا نتاج تطور فكري على مرّ العصور, وإنما كانت وحيًا أوحاه الله عز وجل وشرعه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فيدركون الحكمة من الله في التشريع الإسلامي. 

فالإسلام ينظر إلى الإنسان نظرةً راقية في تكريمه وتعظيمه، مما جعلت له حقوقًا وواجبات ومميزات خاصة، تدور حول الكرامة الإنسانية، فالقيم الأخلاقية تمثل محور مقاصد التشريع الإسلامي، فننظر إلى الحضارات السابقة فنجدها لم تحظ بإسهام كبير أو دور بارز في جانب الأخلاق والقيم ويشهد على ذلك مفكري الغرب وعلمائهم. فتظهر أهمية القيم الأخلاقية ومكانتها في رعاية حقوق الإنسان في الإسلام ورعاية حرياتها من الانتهاك عن طريق بناء الذات بناءً أخلاقيًا إيجابيًا تجاه نفسه، ونمط السلوك الذي يتعامل به الفرد والجماعة، وتزكية النفس الذاتية ورعايتها (البياتي2002).

فمن النماذج الحية التي تتجسد فيها القيم الأخلاقية في سيرة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة و السلام في ترسيخ القيم و نشرها، قال عليه السلام: { إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق }.. فنلتمس هنا قيمًا فطرية تتمثل في الانتماء والمسؤولية والرحمة والتعاون والعدل والحب قال تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَك َلِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم ُوَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }. الروم30.

فمقارنةً بما آلت إليه القيم الأخلاقية في عصر العولمة والأوضاع المزرية رغم التطور الهائل والملاحظ فنجد من المهم تدريس القيم في المعاهد التعليمية والمدارس هو المركز الرئيسي والأصلي لتربية الأولاد وتعليمهم قواعد حياتهم ونظم مجتمعهم وغرس العادات والتقاليد، قيم مرنة فطرية إنسانية تستجيب لحاجات الإنسان الثابتة والمتجددة في كل الأزمنة والأمكنة, وأهم ما في القيم هي المعايير التي تتضمنها هذه القيم في دائرتها المفاهيمية وما هي حدودها, ثم تأتي خطوة تحويلها لمبدأ عام يؤمن به الجميع ويصبح شعارًا مجتمعيًا عندها تكون المجتمعات قد وضعت نظامًا للقيم ينقلها من الفكرة إلى التطبيق. 

أ. فاطمة أحمد محمد السعد

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *