بين الغياب والرجاء… حكاية حضورٍ لا يُطفئه البحر

في فبراير من عام 2006، حين كان البرد يمرّ على صفحة البحر كأنّه يختبر صمته، لم تكن الرحلة سوى وعدٍ عابر بالعودة. وجوهٌ بسيطة تحمل حقائبها، وأحلامها الصغيرة، وتمضي مطمئنة نحو ضفّةٍ تنتظرها. لم يكن في تلك الليلة ما يُنذر بأن الطريق سيتحوّل إلى ذاكرة، وأن البحر، الذي اعتاد أن يكون ممرًّا، سيصير مقامًا للحكايات التي لا تكتمل.

هناك، في تلك اللحظة التي انكسر فيها توازن العادي، غرقت عبارة السلام 98… ولم يكن الغرق نهاية مشهد، بل بداية شعورٍ لا ينتهي. كأن العالم، منذ تلك الليلة، لم يعد كما كان، وكأن الغياب نفسه تبدّل معناه فلم يعد انقطاعًا بقدر ما صار حضورًا من نوعٍ آخر.

الذين كانوا على متنها لم يكونوا مجرد عابرين كانوا حكاياتٍ تمشي، وأصواتًا تتشكّل، وقلوبًا معلّقة بأبوابٍ ستظل مفتوحة بعدهم. كانوا تفاصيل يومية جدًا، وهذا ما يجعل الفقد أكثر وجعًا، لأن الحياة لم تمنحهم حتى فرصة أن يودّعوا كما ينبغي، أو أن يتركوا أثرهم الأخير بطمأنينة.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الغياب فراغًا خالصًا بل امتلاءً هادئًا، ثقيلاً، ينساب في تفاصيل الحياة دون أن يُرى. كأن الذين رحلوا لم يغادروا تمامًا، بل اقتربوا بطريقةٍ أخرى، وصاروا جزءًا من كل شيء من الصمت الذي يطول في البيوت من النظرات التي تبحث في الفراغ من الدعاء الذي يتكرّر دون جواب.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية… حكاية الرجاء.

ليس كل غيابٍ نهاية، وليس كل فقدٍ يقينًا هناك مناطق في القلب لا تعترف بالحسم تترك الباب مواربًا وتُبقي للعودة احتمالًا مهما بدا بعيدًا. منذ تلك الليلة والقلوب تعيش بين احتمالين: أن يكونوا قد رحلوا إلى رحمةٍ أوسع، أو أنهم في مكانٍ ما 

ما زالوا ينتظرون لحظة الرجوع.

هذا الرجاء ليس وهماً بل شكلٌ من أشكال الرحمة لأن الإنسان حين يعجز عن الفهم يتمسّك بالأمل، لا ليكذّب الحقيقة بل ليخفّف ثقلها. كأن القلوب تقول ربما لم ينتهِ كل شيء ربما ما زالت الحكاية في مكانٍ ما تُكتب ولو بعيدًا عن أعيننا.

البيوت التي فقدت، لم تُغلق أبوابها تمامًا ظلّ فيها شيءٌ من الترقّب. الكراسي بقيت كما هي الصور لم تتغيّر والأسماء ما زالت تُنادى كما لو أن أصحابها سيجيبون بعد قليل. ليس إنكارًا، بل رجاءً رجاءً ناعمًا، صامتًا، لا يعلو صوته لكنه لا يموت.

وهكذا، يصبح الغياب حالةً بين بين… ليس حضورًا كاملًا ولا فناءً مطلقًا. حالةٌ معلّقة بين السماء والأرض، بين الدعاء والانتظار بين الدموع التي نعرف سببها وتلك التي لا نعرف من أين تأتي.

البحر منذ ذلك الحين، لم يعد مجرد ماء صار ذاكرة كل موجةٍ تحمل سرًا، كل سكونٍ يخفي حكاية كأن ما حدث لم ينتهِ، بل توزّع في المكان، وصار جزءًا من نسيجه. شيءٌ هناك ما زال حيًا ليس جسدًا بل أثر.

وربما في عمق هذا كله، يكمن المعنى الأهدأ أن بعض الأرواح لا تختفي، بل تتبدّل تخرج من شكلٍ نعرفه، إلى شكلٍ لا نراه، لكنها تبقى. تبقى في الدعاء، في الذكرى في هذا الإحساس الخفي بأن الغياب ليس نهاية، بل تحوّل.

لهذا، لا نستطيع أن نقول إنهم غابوا تمامًا لأن شيئًا منهم ما زال هنا. فينا معنا، في هذا الرجاء الذي لا ينطفئ، وفي هذا الحضور الذي لا يحتاج إلى دليل.

اللهم يا من بيده مفاتيح الغيب، ويا من لا تضيع عنده الأرواح، إن كانوا قد صاروا إليك فاجعلهم في رحمتك الواسعة في نورٍ لا ينطفئ ونعيمٍ لا يزول وأبدلهم عن برد تلك الليلة دفئًا من سكينتك.

وإن كانوا—بعلمك الذي لا نبلغه—لا يزالون أحياءً في مكانٍ خفيّ عن أعيننا، فاحفظهم بعينك التي لا تنام، وأعدهم إلى من ينتظرهم ردًا جميلًا يحيي القلوب بعد انكسارها.

اللهم إنّا تركناهم بين يقينك ورجائنا، بين الغياب والأمل، فاجعل هذا الرجاء رحمة لا وجعًا ونورًا لا ينطفئ في صدورنا.

اللهم لا تجعلهم غيابًا خالصًا، بل اجعلهم حضورًا مطمئنًا… إمّا بقربك، أو بعودتهم.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *