قراءة في الذاكرة
ربما مثل هذه «الإضاءات» على المتواري من التاريخ تحت عباءة المنسي تعيده إلى الواجهة؛ فليس كل الغائبين وقائع، بل منهم نصوص ومرويات وأعلام وسير محفوظة في مخازن الذاكرة. ومثل كل الأشياء الثمينة، لا تطفو على السطح كاللؤلؤ، إنما يلزمك الغوص للإمساك بها.
أحيانًا يكون العمل سؤالًا، تجربة، موقفًا، صرخة، ذاكرة، أو لعبة ذكية بين معنى وشكل. والعامل الجوهري في سلامة القراءة ألا تخلط بين ذوقك الشخصي وقيمة العمل.
(سلام يا عيونه)!!!
ليست هذه مزحة، أو افتتاحية متخيلة، أو عنوانًا نبتغي منه إغراء المتلقي بالمتابعة؛ إنما هي رواية مشهورة ذات أصل تاريخي. وهي، وإن كانت تنتمي إلى التعبير الشفهي في التراث المحكي من حيث الأسلوب، فليس معناها مجازيًا إيحائيًا مثل: «يا طويل العمر» أو «يا وجه الخير»، بل هي أقرب إلى تفريغ لغوي لحالة رهبة، حيث سبق اللسانُ القلبَ أمام شخص مهيب.
لم يكن الأعرابي مستعدًا لمقابلة الشيخ عطية الله بن نويهر الغانمي؛ كان مسكونًا بالرهبة والخوف. وهذه ليست حالة استثنائية، بل لها مثيلاتها في زمننا هذا، عندما نضطر لمقابلة شخصية عامة؛ ليس بالضرورة لطلب خدمة، بل حتى في حالة التسليم المجرد.
صحيح أن المشاهدة المتكررة، والملازمة أحيانًا للشخصيات العامة، سواء في الواقع أو عبر وسائل التواصل، وارتفاع مستوى الوعي والسياق الثقافي، قد حدّت من حواجز الكلفة، وإن بقي أثر من أخلاقيات التعامل وذهنية التفكير الرسمي. وقد كنا – حتى وقت قريب – نتباهى باستضافة الموجّه التربوي، ونعدّ مقابلة مدير التعليم إنجازًا مهنيًا وشخصيًا.
وتتفق الكتب والمعرفات والمرويات على أن الشيخ عطية الله بن نويهر الغانمي من القامات البارزة في الحجاز خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري. وقد ارتبط اسمه بقيادة قبيلة الغوانم الزبيدية في مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة.
وكان من الشيوخ الذين صدرت الأوامر بترسيمهم ضمن تنظيمات الدولة السعودية في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وذلك في عام (1344هـ) على وجه التقريب، حين جرى تثبيت شيوخ القبائل لضبط الإدارة المحلية.
ويرد اسمه ضمن قائمة الشيوخ الذين عُرفوا في مناطق خليص – التي تُعرف اليوم بمحافظة خليص – ويُذكر غالبًا مقرونًا بالهيبة والوجاهة القبلية. وجاءت زعامته في زمن التحول من نمط القبيلة شبه المستقلة إلى الاندماج ضمن كيان الدولة الحديثة، وهو ما منح شخصيته بعدًا تاريخيًا لا يقتصر على كونه شيخ قبيلة فحسب، بل أحد الفاعلين في مرحلة التأسيس.
ولا تزال المشيخة في بيته حتى زمننا هذا.
وبين «سلام يا عيونه» و«يا وجه الخير» مساحة تتسع للغوانم أو الغانمين على حد سواء؛ فلا نختلف في الاشتقاق ما دام المصدر واحدًا. هناك مدد ومداد لا تستطيع اللغة كتابة السطر الأخير في تاريخهم؛ فهو الأمس واليوم والآتي، متوشحًا بالوجاهة والشعر والحضور في المشهد الاجتماعي والثقافي، لا كمتلقٍّ فقط، بل كفاعل ومؤثر.
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب