الرُّقْيَةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الرُّقْيَةُ! كَتَبَ اللهُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الشِّفَاءِ، وَدَوَاءً مِنْ أَنْوَاعِ الدَّوَاءِ، وَسَبِيلًا مِنْ سُبُلِ الْعِلَاجِ.
وَمَا زَالَ النَّاسُ -عَرَبُهُمْ وَعَجَمُهُمْ، مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ- يَتَدَاوَوْنَ بِهَا إِنْ حَلَالًا كَانَتْ أَوْ حَرَامًا، وَإِنْ كَانَتْ أَدْوِيَةً مَشْرُوعَةً أَوْ أَدْوِيَةً مَمْنُوعَةً.
وَتَعَلُّقُ النَّاسِ بِالْعَافِيَةِ وَالسَّلَامَةِ وَالصِّحَّةِ، وَدَفْعِ الضُّرِّ وَدَرْءِ الْأَلَمِ، جَعَلَ سُوقَهَا رَائِجًا وَبِضَاعَتَهَا مُشَاعَةً، وَطُلَّابَهَا عَدَدًا كَبِيرًا.
وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ أَنْ ضَبَطَ هَذَا الدَّوَاءَ، وَحَدَّدَ حُدُودَهُ، وَشَرَعَ نَافِعَهُ وَمَنَعَ ضَارَّهُ، وَجَعَلَ الْمَرِيضَ تَعَلُّقُهُ بِرَبِّهِ، وَرَبَطَ قَلْبَهُ بِمِيثَاقٍ مُحْكَمٍ حَتَّى لَا يَضِيعَ أَصْلُ التَّوْحِيدِ، وَيَتَشَتَّتَ أَمْرُ التَّوَكُّلِ وَيَضِيعَ مِيزَانُ الشَّرِيعَةِ؛ فَشَرَعَ الرُّقْيَةَ بِضَوَابِطَ شَرْعِيَّةٍ وَقَوَاعِدَ سَلِيمَةٍ؛ قَالَ ﷺ: (اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا) [رَوَاهُ مُسْلِمٌ (2200)].
وَمَنَعَ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِهَا وَانْجِذَابَهُ إِلَى الرُّقَاةِ، قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 80]، وَجَعَلَهَا مِنْ كَلَامِهِ وَمِنْ آيَاتِ كِتَابِهِ، وَمِنْ جَوَامِعِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمِنَ الْأَدْعِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ؛ مَعَ قُوَّةِ التَّوَكُّلِ وَشِدَّةِ الِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَسَدَّ ذَرِيعَةَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِهِ وَالتَّمَسُّكَ بِسِوَاهُ؛ قَالَ ﷺ: (مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ) [رَوَاهُ أَحْمَدُ (17404)].
فَالْمَقْصُودُ بِالرُّقْيَةِ هُوَ الِاسْتِشْفَاءُ بِكَلِمَاتِ اللهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَكَمَا يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: (فَمِنْ أَعْظَمِ عِلَاجَاتِ الْمَرَضِ: فِعْلُ الْخَيْرِ وَالِإِحْسَانِ، وَالذِّكْرُ، وَالدُّعَاءُ، وَالتَّضَرُّعُ وَالِابْتِهَالُ إِلَى اللهِ وَالتَّوْبَةُ؛ فَلِهَذِهِ الْأُمُورِ تَأْثِيرٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ وَحُصُولِ الشِّفَاءِ أَعْظَمُ مِنْ تَأْثِيرِ الْأَدْوِيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَلَكِنْ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِ النَّفْسِ وَقَبُولِهَا) [زَادُ الْمَعَادِ (4/180)].
وَمَنَعَ تَعَاطِيَ السِّحْرِ صَرْفًا وَنَشْرًا، وَسَدَّ بَابَ الْعِرَافَةِ وَالْكَهَانَةِ، وَأَغْلَقَ كُلَّ الْأَبْوَابِ الَّتِي تَصْرِفُ النَّاسَ عَنْ رَبِّهِمْ وَتُعَلِّقُ قُلُوبَهُمْ بِغَيْرِهِ.
وَلَا زَالَ أَهْلُ التَّقْوَى عَلَى الْعَهْدِ، وَأَهْلُ الْبِرِّ عَلَى الْجَادَّةِ؛ فَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرْقُونَ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وَكَمَالِ تَوَكُّلِهِمْ وَشِدَّةِ عَزْمِهِمْ وَحَزْمِهِمْ، وَالنَّاسُ يَسْتَرْقُونَ طَلَبًا لِلدَّوَاءِ؛ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ) [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (3874)].
وَالْمَرِيضُ يَكْسِرُهُ الْأَلَمُ وَيُضْعِفُهُ السَّقَمُ، فَيَضْرِبُ بَاحِثًا عَنِ الْخَلَاصِ مَا أَمْكَنَهُ؛ وَحِينَ يَقَعُ عَلَى الرَّاقِي الْحَكِيمِ، وَالْأَمِينِ النَّاصِحِ الَّذِي عَلَّمَهُ اللهُ وَفَتَحَ عَلَيْهِ فِي نَفْعِ إِخْوَانِهِ، فَقَبْلَ الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَرِيضَ بِالنُّصْحِ وَالْإِرْشَادِ، وَيَجْعَلَ كُلَّ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ دَاءٍ، أَوْ يُكْتَبُ لَهُ مِنْ شِفَاءٍ، إِنَّمَا يَحْصُلُ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا مِنَّةَ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَيُعْلِمَهُ أَنَّ فِي تَمَامِ تَوَكُّلِهِ عَلَى الرَّؤُوفِ الْوَدُودِ الرَّحْمَنِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ جُهْدَهُ وَيُذْهِبُ شِدَّتَهُ.
فَالْمَدَارُ كُلُّهُ عَلَى قُوَّةِ الْقَلْبِ بِالتَّوَكُّلِ، إِذْ يُقَرِّرُ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ: (لِقُوَّةِ الْقَلْبِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَأْثِيرًا عَجِيبًا فِي دَفْعِ الْأَمْرَاضِ، بَلْ قَدْ لَا يَثْبُتُ مَعَهَا الْمَرَضُ) [إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ (1/25)].
فَتَحْصُلُ الْعَافِيَةُ بِإِذْنِ اللهِ، وَتَحُلُّ الْبَرَكَةُ بِفَضْلِ اللهِ.
وَلَكِنَّ مَنْ تَنَكَّبَ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ وَاسْتَبْدَلَ سَبِيلَ الْمُتَّقِينَ، وَتَعَلُّقَ قَلْبُهُ بِغَيْرِ الْمُنْعِمِ الْمُتَفَضِّلِ مِنَ الرُّقَاةِ وَالْمُسْتَرْقِينَ، قَدْ يَحْصُلُ لَهُمْ مَا أَرَادُوا مِنَ الدَّوَاءِ الْبَدَنِيِّ، لَكِنْ يَسْكُنُ فِي قُلُوبِهِمُ الدَّاءُ الْعُضَالُ الَّذِي هُوَ فَقْدُ التَّوَكُّلِ وَضَعْفُ الْإِيمَانِ، وَقَدْ يَنْعَدِمُ وَيُزَاحِمُهُ الشِّرْكُ وَالتَّعَلُّقُ بِغَيْرِ اللهِ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ مَلْمُوسٌ.
فَبَعْضُ الرُّقَاةِ غَرَّهُ مَا فَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَظَنَّ نَفْسَهُ صَاحِبَ كَرَامَةٍ، وَإِمَامَ هِدَايَةٍ، وَذَا مَكَانَةٍ زَائِدَةٍ عَنْ بَقِيَّةِ عِبَادِ اللهِ. وَبَعْضُ الْمُسْتَرْقِينَ -وَتَحْتَ وَطْأَةِ الْأَلَمِ وَحُبِّ السَّلَامَةِ وَنِشْدَانِ الْعَافِيَةِ- فَقَدَ تَوَكُّلَهُ وَضَيَّعَ تَوْحِيدَهُ وَسُلِبَ عَقِيدَتَهُ، بِأَمْرٍ لَنْ يَتِمَّ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ؛ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ) [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (2072) وَأَحْمَدُ].
وَمَا كَثُرَ هَؤُلَاءِ إِلَّا حِينَ ضَعُفَ التَّوْحِيدُ، وَكَثُرَتِ الْبِدَعُ، وَزَاحَمَتِ الْأَهْوَاءُ أَصْلَ الدِّينِ وَالْعَقِيدَةِ.
وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ لَا يَمْنَعَانِ التَّدَاوِيَ وَلَا يُحَرِّمَانِ الْعِلَاجَ، بَلْ شَرَعَا مَا يَدْفَعُ الدَّاءَ وَيَحْصُلُ بِهِ الشِّفَاءُ بِضَوَابِطَ قَوِيَّةٍ وَقَوَاعِدَ مَرْعِيَّةٍ تَضْبِطُ التَّدَاوِيَ بِكُلِّ أَطْرَافِهِ.
فَمِنْ نَاحِيَةِ الدَّوَاءِ: (تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ) [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].
وَمِنْ نَاحِيَةِ الْمُتَدَاوِي: (سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ… هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
فَالتَّوَكُّلُ سِرُّ الدَّوَاءِ وَأَعْظَمُ أَرْكَانِهِ، لَا يَمْنَعُ التَّدَاوِيَ وَلَا يَنْقُضُهُ، بَلْ يَرْفَعُهُ مِنْ مُجَرَّدِ سَبَبٍ إِلَى عِبَادَةٍ يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ.
وَمِنْ نَاحِيَةِ الْمُدَاوِي: (مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ) [رَوَاهُ أَحْمَدُ (3578)].
فَبَذْلُ السَّبَبِ الْمَشْرُوعِ مَعَ كَمَالِ التَّوَكُّلِ هُوَ أَصْلُ الشِّفَاءِ.
وَهُنَا وَقْفَةٌ مَعَ كُلِّ طَبِيبٍ وَمُعَالِجٍ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؛ فَالتَّقْوَى رَابِطُ الْخَيْرِ وَصِمَامُ الْأَمَانِ وَمِيزَانُ الْإِخْلَاصِ.
كُنْ وَرْدَةً تَفُوحُ إِيمَانًا وَتَفَاؤُلًا وَلِينًا، وَازْرَعِ الْأَمَلَ وَالتَّوْحِيدَ وَالتَّعَلُّقَ بِاللهِ؛ فَالطَّبِيبُ الْحَقِيقِيُّ مَنْ يُدَاوِي الرُّوحَ قَبْلَ الْبَدَنِ، وَكَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: (إِنَّ الطَّبِيبَ إِذَا كَانَ عَارِفًا بِمَرَضِهِ، وَبِدَوَاءٍ قَلْبِيٍّ وَرُوحَانِيٍّ، فَإِنَّهُ يُعَالِجُ بِهِ) [زَادُ الْمَعَادِ (4/181)]؛ لِيَكُونَ الْمَقْصِدُ الْأَسْمَى مَا قَالَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 44].
فَالرُّقْيَةُ لَيْسَتْ “تَمَاتِمَ” أَوْ طُقُوسٍ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ تُمَارَسُ بِوَعْيٍ وَتَوْحِيدٍ مِنْ كَلَامِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَالدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ.
وَالْهَدَفُ الْأَسْمَى لَيْسَ فَقَطْ زَوَالَ الْأَلَمِ، بَلِ انْتِقَالُ الْعَبْدِ مِنْ “كَسْرِ الْأَلَمِ” إِلَى “جَبْرِ التَّوْحِيدِ”؛ فَيَخْرُجُ مِنْ مِحْنَةِ الْمَرَضِ وَهُوَ فِي تَمَامِ تَعَلُّقِهِ بِاللهِ.
اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَى الْمُسْلِمِينَ.
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَالِمٍ الشَّلَّاعُ
مقالات سابقة للكاتب