إقرأ

هناك لحظات لا ينهض فيها الإنسان بالسلاح ولا بالمال ولا بالمنصب بل ينهض بفكرة وتبدأ الفكرة غالبا من صفحة قرأها.  

منذ اللحظة التي نزل فيها الوحي بكلمة واحدة حاسمة ﴿اقرأ﴾ لم يعد العلم خيارا ثانويا في حياة الإنسان بل أصبح طريقا للوعي وبوابة للنهضة ومفتاحا لفهم الذات والكون والرسالة. 

أجد من أعظم نعم الله على الإنسان نعمة القراءة فهي ليست مجرد مهارة بل باب واسع من أبواب الهداية والوعي وبناء الإنسان. 

القراءة الحقيقية ليست جمع كلمات بل هي انتقال بالعقل من الضيق إلى السعة ومن الجهل إلى الفهم ومن الغفلة إلى اليقظة بها يتدبر الإنسان كتاب الله ويتأمل سيرة نبيه ﷺ فيزداد قربا من ربه علما وإيمانا وبصيرة. 

ومن أعظم ما يؤسف له أن الإنسان قد يحسن القراءة ثم يهجرها فيعيش بعقل لا ينمو وقلب لا يتغذى حتى يصبح في أثره قريبا ممن لم يتعلمها أصلا. 

فالقراءة تفتح للإنسان أبواب الحياة الواسعة يعيش بها عقول الآخرين ويستفيد من تجارب الأمم ويتجاوز حدود عمره الشخصي إلى أعمار من المعرفة والخبرة لا تحصى. 

القارئ لا يعيش حياة واحدة بل يعيش حيوات متعددة يتعلم من الحكماء دون أن يجالسهم ويستفيد من التاريخ دون أن يعايشه ويتجنب أخطاء كان سيقع فيها. 

لكن القراءة ليست دائما نورا مطلقا فهي سلاح ذو حدين. 

فكم من إنسان قادته قراءته إلى الهداية واليقين فلامس قلبه نور الحق واطمأن إلى الإيمان خاصة حين يقرأ كلام الله أو ما يقرب إليه. 

وكم من آخر انحرف بسبب قراءة مضللة أو أفكار مشوشة فابتعد عن الفطرة واليقين. 

ولهذا فالعبرة ليست بكثرة القراءة بل بنوعها وأثرها هل تزيدك وعيا أم تزيدك اضطرابا هل تقربك من الله أم تبعدك هل تبنيك أم تشتتك. 

ومن نعم الله العظيمة أن يلهم العبد إلى القراءة النافعة تلك التي تنير القلب قبل العقل وتزكي النفس قبل المعرفة وتفتح للإنسان باب الهداية قبل باب المعلومات. 

فإذا وجدت نفسك تميل إلى كتاب يوقظك أو فكرة تصلح قلبك أو علم يرفع وعيك فاعلم أن ذلك توفيق من الله ومنحة لا يحرمها إلا محروم. 

إن القراءة النافعة تصنع إنسانا أكثر وعيا أهدأ نفسا أعمق فهما وأقرب إلى الحق إنسانا لا تخدعه الظواهر ولا تقوده العواطف وحدها بل يحكم بعقل متبصر وقلب مطمئن. 

ولهذا كانت القراءة حين تحسن نعمة تهدي الإنسان إلى نفسه وإلى ربه وإلى رسالته في الحياة. 

فطوبى لمن جعل لنفسه وردا من القراءة النافعة ، وطوبى لمن بحث عن النور في الكتب كما يبحث عن الماء في الصحراء وطوبى لمن أدرك أن بناء الإنسان يبدأ من فكرة وأن الفكرة تبدأ من قراءة. 

وفي النهاية تبقى القراءة ليست رفاهية بل مصير ووعي وهداية. 

فقد تقرأ صفحة فتفتح لك بها أبواب لم تكن تخطر ببالك وقد تهجر كتابا فتفقد نورا كان يمكن أن يغير حياتك. 

اقرأ فبقدر ما تقرأ تبنى وبقدر ما تهجر القراءة تضيق رؤيتك للحياة. 

اللهم ارزقنا علما نافعا وقراءة صادقة تهدي قلوبنا وتجعلنا من أهل النور والبصيرة. 

نوار بن دهري 

NawarDehri@gmail.com

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *