ما فعل النُّغير ؟

الأولاد ، نعمة وهبها الله تعالى ، لمن شاء من عباده ، والكلّ يريد هذه النعمة ، ويسعى من أجلها ، ولعل الكثير من الناس حصل عليها ، ورزق البنين والبنات ..

فهنا سؤالٌ ينبغي للمسلم أن يسأله نفسه ، كيف تعاملي مع أولادي ؟ وهم أقرب الناس إليّ ، ومن ثمّ تعاملي مع أولاد الأقربين والجيران ، ومن بعدهم ،
فهل خطر على بالي مشاعر هؤلاء الصغار ، وأنا أتعامل معهم ، سواء كان بالطيب أو الشّدّة ،
هل فكرت يوماً ما وأنت تغلظ ؛ على طفل أو تنهرُه بشدّة ، كيف كسرت بخاطره ، وما قدّرت أحاسيسه ومشاعره ،

هل لاحظت نفرة الأطفال من أسلوبك في التعامل معهم ، وخوفهم منك ، أياً كانوا هؤلاء الأطفال ، أولادك ، أولاد أقاربك ، أولاد جيرانك ، تلاميذك في المدرسة ،
لو تأملنا ، تعاملنا مع الأطفال ، وقارنّا ذلك مع تعامل الرسول – صلى الله عليه وسلم – لوجدنا بوناً واضحاً ،في عدم السير على نهجه -عليه الصلاة والسلام ، حيث كان رحيماً بالأطفال ،عطوفاً عليهم ، رؤوفاً بهم فهاهو يقبّل -عليه الصلاة والسلام – الحسن بنَ عَليٍّ- رضي اللَّه عنهما، – وَعِنْدَهُ الأَقْرعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشرةً مِنَ الْولَدِ مَا قَبَّلتُ مِنْهُمْ أَحدًا، فنَظَر إِلَيْهِ رسولُ اللَّه – صلى الله عليه وسلم ؛ فقَالَ: مَن لا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ ) متفقٌ عَلَيهِ.

وكان عليه الصلاة والسلام – يداعب أخا أنس ، فيقول : يا أبا عمير، ما فعل النُّغير -طائر صغير كالعصفور-؟ قال: فكان يلعب به ) متفق عليه .

وحتى أثناء عبادته وصلاته ، رحيماً بالأطفال ،شفيقاً عليهم ، مراعياً مشاعرهم
يُقبل الحسن وهو طفل صغير ، والرسول – صلى الله عليه وسلم – ساجد يصلي بالناس ، فيرتحله ، أي يركب على ظهره، فأطال النبي – صلى الله عليه وسلم السجود، وقال بعد انتهائهم من الصلاة: « ابْني ارْتَحَلَني، فكرِهْتُ أنْ أُعْجِلَهُ حتَّى يَقضيَ حاجتَهُ ) رواه النسائي ،

وقدْ ورَد في الصَّحيحَينِ : أنَّ النَّبيَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -كان يَحمِلُ أُمامةَ بنت أبي العاص ، زوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، زينب رضي الله عنهم – وهو يُصلِّي .

وفي يوم كان يخطب – عليه السلام بالناس، فأقبل الحسن والحسين يعثران في أثواب لهما، فنزل النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – وحملهما بين يديه وقال صدق الله ﴿إنما أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾»

كل هذه النماذج المشرقة ، في تعامل الرسول -صلى الله عليه وسلم – مع الأطفال ؛ تعطينا منهجاً واضحاً ؛ كيف نتعامل نحن معهم .

انظروا إلى تعامل البعض منّا ، من ينهر الطفل لأتفه الأسباب
الرسول – صلى الله عليه وسلم – يحمل أمامة وهو يصلي ، ومن الناس حالياً ؛ من يطرد الأطفال من المسجد ، بحجة اللعب فيه ، و منهم من يطرد الأطفال من مجالسة الرجال ، بحجة أنهم صغار ، وعيب يجلسون ، ويتكلمون ، ويأكلون ؛مع الرجال ، تُرى متى يتعلم الطفل الرجولة ، ويثق بنفسه ، إذا عاش على هذا الأسلوب ، من الخوف وعدم الثقة بنفسه حتى يكبر ، وربما البعض يستهزئ ، بأي فعل يفعله الأطفال ، ويتهكم به ويسخر منه ، حتى يحبطه ، ويخاف الطفل من الإقدام على أي فعل خوفاً من الفشل والإستهزاء، مما أضاع روح الإبداع ، والثقة بالنفس ، ثم يلام حال كبره ، لماذا أنت خجول ، أو لا تسطيع تعبر عن نفسك ، أو لماذا لا تدافع عن حقك ، وربما تربى في صغره على أساليب ( اخرج – عيب – ما أنت رجل – فلان أحسن منك – ما فيك فائدة – أنت فاشل ) وما شابه ذلك ؛ من كلمات الإحباط والتهكم ، حتى ألِف الطفل ذلك ، وظنّ أنه كذلك !

وربما البعض من الناس ، مرت عليه مرحلة ، في ظروف ما ، حال صغره ،وتعرض لبعض المواقف السلبية
التي فيها تهكم أو جرح مشاعر ، ممن ؛ تبنى هذا الأسلوب التربوي بغير قصد ، ولا علم بآثاره السلبية على شخصية الطفل .

وعلى هذا وبعد أن تعلمنا كيف كان يتعامل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مع الأطفال وهو قدوتنا ، نريد أن نقتدي به في أسلوبه فهو أفضل أسلوب للرحمة والشفقة واللين والعطف ومراعاة المشاعر والثقة بالنفس مع الأطفال ، ولنعلم أن الطفل منذ صغره وهو يشعر بمن يقدّره ويتفاعل معه ، تفاعلا إيجابياً، والعكس أثناء التعامل السلبي مع الطفل ترى ملامح وجهه تتغير ، ونبرات صوته تنخفق ، ويطأطئ رأسه ، ويرخي نظره ، انزعاجاً من ذلك الأسلوب وتلك الكلمات ، وليس بيده حيلة ، ولا قوة له للدفاع أو التعبير .

واعلم ، أيها المربي :
كلما ، تعاملت مع مشاعر الطفل
باحترافية ، ونزلت إلى مستواه الفكري ، وأعطيته مساحة ، كافية من الحرية ، والتعبير عن وجهات نظره ، وكنت منصتاً جيداً لما يقول ويتحدث ، متفاعلا مع طرحه ورأيه ، كلما زادت ثقته بنفسه ، وتحركت عنده مهارات الإبداع والابتكار .

 

 

د.صلاح محمد الشيخ
مستشار أسري وتربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *