بعض الأوطان تبدأ بحادثة، وبعضها يبدأ بقرار، لكن هذا الوطن بدأ بعزم.
عزمٌ أدرك أن الفوضى لا تبني، وأن الشتات لا يصنع مجدًا، وأن الاجتماع حول راية واحدة هو الطريق الوحيد لولادة دولة.
قبل ثلاثة قرون، لم تكن الجزيرة العربية أرضًا تنتظر الاحتفال، بل كانت أرضًا تنتظر الاستقرار. ومن قلب تلك اللحظة التاريخية، انطلقت فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: أن يكون هناك كيان يجمع الناس، يحفظ أمنهم، وينظم حياتهم، ويمنحهم شعورًا بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
وهكذا بدأت الحكاية.
لم تكن رحلة سهلة، ولم تكن طريقًا مفروشًا بالطمأنينة، لكنها كانت مسيرة ثابتة لا تعرف التراجع. تعاقبت الأجيال، وتبدلت الأزمنة، وبقيت الفكرة الكبرى كما هي: وطنٌ واحد، وراية واحدة، وهوية لا تتغير.
يوم التأسيس ليس استدعاءً للماضي بقدر ما هو تأكيد على أن تلك البذرة الأولى ما زالت تنمو. فكل إنجاز نراه اليوم، وكل مشروع يتحقق، وكل طموح يتجاوز الحدود، إنما هو فصل جديد من قصة بدأت منذ ثلاثة قرون ولم تنقطع.
نحتفل اليوم لا لأن الزمن مضى، بل لأن المعنى بقي.
نحتفل لأن الوطن لم يكن طارئًا، ولم يكن وليد ظرف عابر، بل كان نتيجة إيمان طويل بأن الاستقرار فضيلة، وأن الوحدة قوة، وأن البناء مسؤولية مشتركة.
وحين ننظر إلى المستقبل، ندرك أن التأسيس لم يكن لحظة تاريخية فحسب، بل كان وعدًا مستمرًا. وعدًا بأن هذا الوطن سيظل واقفًا، متجددًا، واثقًا من جذوره، وماضياً بثبات نحو آفاق أوسع.
يوم التأسيس… ليس مجرد ذكرى.
إنه الحكاية التي لم تنقطع، والهوية التي لا تتبدل، والوطن الذي يعرف كيف يبدأ… وكيف يستمر.
د. محمد بن فوزي الغامدي
مقالات سابقة للكاتب