قراءة تاريخية وفقهية بين نصوص السنة وواقع الاقتصاد في صدر الإسلام: لماذا جاءت زكاة الفطر طعامًا؟
يتجدد الجدل كل عام مع اقتراب عيد الفطر حول طريقة إخراج زكاة الفطر: هل تُخرج طعامًا كما ورد في السنة النبوية، أم يجوز إخراجها نقدًا؟
ذهب فريق من الفقهاء إلى جواز إخراجها نقدًا، بينما يرى فريق آخر وجوب إخراجها طعامًا من قوت أهل البلد كما جاء في السنة.
ومن هذا المنطلق، وبحكم التخصص في دراسة الاقتصاد الإسلامي، أقدم قراءة تجمع بين البعد التاريخي والفقهي، بدءًا بمقدمة توضح حال النقود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.
ثبت تاريخيًا أنه لم تكن للمسلمين في عهد النبوة والخلافة الراشدة عملة إسلامية خاصة بهم، بل كانوا يستخدمون العملات المتداولة آنذاك في الجزيرة العربية، وأهمها:
الدينار الذهبي البيزنطي (الرومي): استخدم غالبًا في المعاملات الكبيرة والتجارة الواسعة وادخار الأموال.
الدرهم الفضي الساساني (الفارسي): أكثر انتشارًا في الأسواق، وكان يُستخدم في البيع والشراء والمعاملات اليومية في مكة والمدينة وسائر الحواضر.
وقد ورد ذكر هذه العملات في السنة النبوية، من ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
“تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميسة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي…” رواه البخاري.
كما كانت بعض المعاملات تتم بالذهب أو الفضة وزنًا، أو بالمقايضة بين السلع، وكانت الدنانير والدراهم تُستعمل في تقدير بعض الأحكام المالية مثل المهور والزكاة والديات. الجدير بالذكر أن العملة الإسلامية المستقلة لم تظهر إلا لاحقًا في العصر الأموي، عند قيام الخليفة عبد الملك بن مروان سنة 77 هـ بسك الدينار والدرهم الإسلامي.
وعند النظر إلى الحالة الاجتماعية للمسلمين آنذاك، يتضح أن الفقر كان حاضرًا بقوة بين صحابة رسول الله رضي الله عنهم، كما يظهر من قصص أهل الصفة، الذين يمثلون مثالًا على وجود نسبة كبيرة من الفقراء في عصر صدر الإسلام.
سبب ورود زكاة الفطر طعامًا
ذكر هذا الواقع التاريخي يساعدنا على فهم طبيعة المعاملات المالية في صدر الإسلام ومستوى المجتمع المادي، وبالتالي يقودنا إلى مسألة زكاة الفطر. فالزكاة فريضة محددة شرعًا، أما الصدقة فهي تطوعية وغير محددة.
زكاة الفطر واجبة على كل مسلم حر، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، يملك ما يزيد عن قوت نفسه وقوت عياله يوم العيد وليلته، وتكون بمقدار محدد، بينما الصدقة تطوعية وغير محددة بالقدر.
حدد النبي صلى الله عليه وسلم مقدار زكاة الفطر بصاع من طعام، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما:
“فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.” أخرجه البخاري.
وجاء أيضًا في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:
“كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب.” متفق عليه.
يقدر الصاع اليوم بحوالي 2.6 كجم تقريبًا من قوت أهل البلد كالتمر أو الشعير أو الأرز، ويرى بعض الفقهاء الاحتياط بجعلها ثلاثة كيلوجرامات تقريبًا، وهو أمر لا حرج فيه من باب التحوط.
وقت إخراج زكاة الفطر
يكون قبل صلاة عيد الفطر، من غروب شمس ليلة العيد إلى صلاة العيد، بينما الصدقة ليس لها وقت محدد، ويمكن إخراجها في أي وقت من السنة.
الحكمة من زكاة الفطر
بيّن حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
“فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين. من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.” صحيح أبي داود.
يتضح من هذه النصوص أن الأصل في زكاة الفطر إخراجها طعامًا، خلافًا للصدقة التي يجوز أن تكون طعامًا أو مالًا أو غيره من أوجه الخير.
الواقع الاجتماعي في عصر الصحابة
كانت المدينة تضم عددًا كبيرًا من الفقراء، ومن أشهرهم أهل الصفة الذين كانوا يقيمون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ويعيشون على الصدقات والطعام الذي يقدمه الصحابة. لذا، كانت زكاة الفطر مورداً مهمًا لإطعام الفقراء يوم العيد، تحقيقًا للمقصد الشرعي، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما:
“اغنوهم عن الطواف في هذا اليوم.” رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي.
لهذا جاءت السنة النبوية بإخراج زكاة الفطر طعامًا من أقوات الناس، لأن المجتمع آنذاك كان يعتمد على الأقوات المباشرة أكثر من النقود.
الخلاصة الفقهية
بناءً على النصوص الشرعية والوقائع التاريخية، يتبين أن السنة النبوية حدّدت زكاة الفطر بصاع من طعام من قوت أهل البلد. أخذ بهذا جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، بينما أجاز فقهاء الحنفية إخراجها نقدًا إذا كان ذلك أنفع للفقراء وأقرب لتحقيق مصلحة الإغناء يوم العيد.
وعليه، فإن إخراج زكاة الفطر طعامًا هو الأقرب إلى ظاهر السنة، مع اعتبار القول بجواز إخراجها نقدًا عند الحاجة أو المصلحة، وهو قول معتبر عند بعض العلماء.
د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش
باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل
كوالالمبور – 18 رمضان 1447هـ
مقالات سابقة للكاتب