العيد في المدينة زمن النبوة

أحبائي وإخواني القراء الكرام، يسرني في مستهل هذا المقال أن أهنئكم والمسلمين في كل مكان بحلول عيد الفطر المبارك، سائلاً الله أن يتقبل الصيام والقيام وأن يعيده على الأمة الإسلامية بالخير والبركة. وكل عام وأنتم ومن تحبون والمسلمون جميعاً بخير.

ويتكرر حضور العيد في ذاكرة المسلمين كل عام باعتباره يوم فرح وشكر بعد تمام العبادة، غير أن النظر في مظاهر العيد في صدر الإسلام يكشف لنا صورة اجتماعية مميزة للمجتمع المسلم الأول في المدينة المنورة. فقد كان العيد في ذلك المجتمع مناسبة تجمع بين العبادة والفرح والتكافل، وتظهر فيها روح الجماعة الإسلامية بصورة واضحة.

 ومن خلال الروايات الواردة في السنة والسيرة يمكن رسم ملامح تلك الصورة التي عاشها المسلمون في زمنه صلى الله عليه وسلم.

ومن المؤكد أن أول ما كان يميز يوم العيد في المدينة هو صلاة العيد التي كان المسلمون يجتمعون لها في المصلى خارج المسجد.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج بالناس إلى المصلى ليصلوا صلاة العيد في اجتماع عام يضم أهل المدينة.

وقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَخْرُجُ يَومَ الفِطْرِ والأضْحَى إلى المُصَلَّى، فأوَّلُ شَيءٍ يَبْدَأُ به الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، والنَّاسُ جُلُوسٌ علَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ، ويُوصِيهِمْ، ويَأْمُرُهُمْ، فإنْ كانَ يُرِيدُ أنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أوْ يَأْمُرَ بشيءٍ أمَرَ به، ثُمَّ يَنْصَرِفُ.) رواه البخاري ومسلم.

ومن مظاهر العيد أيضا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى صلاة عيد الفطر، فقد كان يأكل تمرات قبل أن يغادر إلى المصلى. وقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يَغْدُو يَومَ الفِطْرِ حتَّى يَأْكُلَ تَمَراتٍ). رواه البخاري. وكان في أكل هذه الثمرات إعلان لانتهاء الصيام وابتداء يوم العيد.

ويرتبط الطعام كذلك بمعنى اجتماعي مهم، وهو إغناء الفقراء حتى يشاركوا بقية الناس فرحتهم في هذا اليوم. ومن هنا شرعت زكاة الفطر التي تؤدى قبل صلاة العيد، وقد كانت تحقق معنى التكافل في المجتمع المسلم حتى لا يبقى فقير محتاج في يوم العيد.

ولم يكن العيد في المدينة يوم عبادة فقط، بل كان كذلك يوم فرح مشروع. فعن أمنا عائشة رضي الله عنها وعن أبيها أنها قالت: (دَخَلَ عَلَيَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وَعِندِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ علَى الفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي وَقالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ! فأقْبَلَ عليه رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: دَعْهُمَا، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا، فَخَرَجَتَا. قالَتْ: وَكانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بالدَّرَقِ وَالحِرَابِ فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإمَّا قالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ فَقالَتْ: نَعَمْ. فأقَامَنِي وَرَاءَهُ… الحديث). رواه البخاري.

ومن خلال هذا الحديث يظهر لنا أن ديننا الحنيف يقر الفرح المشروع في الأعياد ما دام في حدود القيم الشرعية.

كما كان من السنن التي وردت في يوم العيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغير طريقه عند الرجوع من صلاة العيد. فقد رُوى عن جابر  أنه قال: (كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا كانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ). رواه البخاري.

 وقد ذكر العلماء أن من حكم ذلك إظهار شعيرة العيد في طرق المدينة ولقاء أكبر عدد من الناس لتبادل التهاني والدعاء.

ومن خلال هذه المظاهر تتضح صورة العيد في المجتمع النبوي؛ فقد كان العيد يجمع بين العبادة والاجتماع والفرح المشروع والتكافل الاجتماعي. ولذلك بقي العيد عبر التاريخ أحد أهم المناسبات التي تعبر عن روح المجتمع المسلم ووحدته وفرحته بالطاعة.

د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش

باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل

الأربعاء29رمضان1447هـ

 

مقالات سابقة للكاتب

3 تعليق على “العيد في المدينة زمن النبوة

د.محمد فتحي

جهد مشكور وعمل طيب، دام المداد، تحياتي وتقديري

عزالدين المعزوزي

مقال جميل ومتماسك، ويعرض صورة واضحة ومتوازنة عن العيد في المجتمع الإسلامي الأول. أبرز ما يميّزه هو حسن الربط بين الجانب التعبدي والاجتماعي، مع توظيف موفق للأحاديث النبوية التي دعّمت الفكرة وأعطتها مصداقية وقوة.

عبدالرحمن محمد سليمان معروف.

رحم الله ذاك الزمان الذي كان مشرقا بحق ورحم الله أهله الكرام الذين تعلمنا منهم القيم والنبل والأخوة الحقة.
وبارك الله فيك يادكتور طلال فكل مقالاتك مقربة إلى الدين وإلى الخير والفلاح.
فسر على طريق الهدى والفلاح.
ومن العايدين.وكل عام وأنتم والأمة العربية والإسلامية بخير.
أخوكم الأستاذ الشاعر عبدالرحمن محمد سليمان معروف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *