‏حسن الظن برب العالمين

🖋️‏حُسن الظن بالله مُستراح القلوب المتعبة، والنفوس المنهكة، إنه سعادة الأرواح، ولذة الدنيا، ونعيم الآخرة، كيف لا؟
‏والله تعالى عند ظن عبده به، كما جاء في الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني”.
‏وفي المقابل، فإن الظن السيئ بالله سبب الهمّ والغمّ واضطراب النفوس، قال سبحانه عن المنافقين يوم أُحد:
‏((وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ))،
‏أي: ظنوا ظن السوء، فأورثهم ذلك الهموم والغموم، نسأل الله العافية.
‏لذا على العبد أن يُحسن العمل، ويُحسن الظن بالله دائمًا، فالنار لم تُحرق إبراهيم، والسكين لم تقتل إسماعيل، والبحر لم يُغرق موسى، والحوت لم يأكل يونس، قال تعالى: ((قُلْ لَن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)).
‏وتأمل قوله: ((لَنَا)) ولم يقل: ((عَلَيْنَا))؛ لأن ما يصيب المؤمن مع الصبر والاحتساب فهو له في العاجل أو الآجل.
‏ومن أجمل الدعوات التي كان يدعو بها السلف: “اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك”.
‏ولنعلم أن من أعظم الدين: حسن الظن برب العالمين، ومن حسن الظن: علمك ويقينك أن عملك الصالح محفوظ لك عند الله، سترى أجره وثمرته وبركته في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ((وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ))، وقال: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ))، وقال: ((إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)).
‏فالله جل جلاله لا يضيع عنده شيء مما تعمل، فمن جاءك يهوّن عليك الطاعات، من شهود الجماعات، وحضور مجالس العلم، وغير ذلك من أبواب الخير والبر، فلا تلتفت إليه، واعلم أنه كلما زاد حسن ظنك بالله، وتيقنت بالأجور العظيمة عنده، لم تؤثر فيك تلك الأقوال، بل تزداد تمسكًا وتعلّقًا بما يقرّبك من مولاك، ويدنيك من رحمته.
‏والسعيد حقًّا من كان ظنه بربه جميلًا دائمًا، في كل أمر من أموره، وفي كل شأن من شؤون حياته، يظن الخير والتوفيق والفلاح، فتجده منشرح الصدر، متفائلًا، ينثر السعادة على من حوله.
‏أما سيئ الظن بربه – والعياذ بالله – فتجده مهمومًا مغمومًا، وهو مذموم في كتاب الله، قال تعالى: ((بَلْ ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا)) [الفتح: 12].
‏ولنتأمل بعض أقوال الصالحين الذين امتلأت قلوبهم حسن ظن برب العالمين:
‏قال عامر بن عبد قيس: “أربع آيات في كتاب الله، إذا ذكرتهن لا أبالي على ما أصبحت أو أمسيت: ((مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا…)) [فاطر: 2]، ((وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ…)) [الأنعام: 17]، ((سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)) [الطلاق: 7]، ((وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)) [هود: 6]”.
‏وأُضيف آية خامسة:
‏((قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)).
‏وقد ورد أن أعرابيًا مرض، فقيل له: إنك ستموت، قال: وإذا متُّ إلى أين أذهب؟ قالوا: إلى الله، قال: فلم أكره الذهاب إلى من لم أرَ الخير إلا منه؟
‏وقال رجل لأحد الصالحين: أتعرف رجلًا مستجاب الدعوة؟ قال: لا، ولكن أعرف من يستجيب الدعوة.
‏وقال أعرابي: إذا متنا من سيحاسبنا؟ قالوا: الله، قال: نجونا ورب الكعبة.
‏وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
‏”كثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغيّر الأحوال جزع وناح، وهو منهي عن ذلك، بل مأمور بالصبر والتوكل والثبات، وأن يؤمن بأن العاقبة للتقوى، وأن وعد الله حق…”.
‏وهذه أبيات تملأ القلب تفاؤلًا:

وإني لأرجو الله حتى كأنني
‏أرى بجميل الظن ما الله صانعُ
……
‏وإني لأدعو الله والأمر ضيقٌ
‏عليّ فما ينفك أن يتفرّجا
‏وربّ فتىً سُدّت عليه وجوهه
‏أصاب لها في دعوة الله مخرجًا
……
‏لا تيأسنّ إذا ما ضقت من فرجٍ
‏يأتي به الله في الروحات والدلجِ
‏فما تجرّع كأس الصبر معتصمًا
‏بالله إلا أتاه الله بالفرج

‏وأخيرًا:
‏هوّن عليك ولا تكن قلق الحشا
‏ممّا يكون ولعلّه وعساهُ
‏والدهر أقصر مدةً ممّا ترى
‏وعساك أن تُكفى الذي تخشاهُ

✍️ د.‏سعود بن خالد

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *