في كل مرة نعود فيها إلى تراثنا الإسلامي، نكتشف أن الاقتصاد في المجتمع النبوي لم يكن قائمًا على تعقيد الأدوات، بل على وضوح القيم. فلم يكن اقتصاد المدينة المنورة اقتصادًا نقديًا متطورًا بمفهومه الحديث، بل كان نموذجًا بسيطًا في وسائله، عظيمًا في مقاصده، جمع بين العمل والتكافل، وبين الإنتاج والعدالة.
عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لم يكن الانتقال مجرد تحول جغرافي، بل كان تحولًا اقتصاديًا واجتماعيًا شاملًا. فقد انتقل المسلمون من بيئة تجارية في مكة إلى بيئة زراعية يغلب عليها الطابع المدني، مما استدعى بناء نظام اقتصادي جديد يتناسب مع طبيعة المجتمع الجديد.
وقد قامت الحياة الاقتصادية في المدينة على عدد من الموارد الأساسية، كان في مقدمتها الزراعة، وخاصة زراعة النخيل، حيث كان التمر يمثل عنصرًا رئيسيًا في الغذاء والتجارة. وكانت الأراضي الزراعية موزعة بين الأنصار، الذين امتلكوا الخبرة والموارد، فأسهموا في استقرار الحياة الاقتصادية.
إلى جانب الزراعة، وجدت التجارة حضورًا مهمًا، وإن كانت محدودة مقارنة بمكة. وقد نشط المهاجرون في هذا المجال، مستفيدين من خبرتهم السابقة، ومن أبرزهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، الذي قال: “دلني على السوق”، فبدأ من الصفر حتى أصبح من كبار التجار، مما يعكس قيمة العمل والاستقلال الاقتصادي في الإسلام.
كما وُجدت بعض الحرف البسيطة، كالصناعة اليدوية والخدمات، التي ساهمت في تلبية حاجات المجتمع، وشكلت جزءًا من الدورة الاقتصادية اليومية، دون أن تكون معقدة أو متخصصة بشكل كبير.
وكان من أبرز معالم الاقتصاد في المدينة المنورة آنذاك: تأسيس سوق مستقل للمسلمين، حيث وضع النبي صلى الله عليه وسلم أساس سوق يقوم على الحرية والعدالة، بعيدًا عن الاحتكار والهيمنة. وقد جاء في الأثر أنه قال:
»هَذَا سُوقُكُمْ، فَلَا يُنْتَقَصُ، وَلَا يُضْرَبَنَّ عَلَيْهِ خَرَاجٌ« (رواه ابن ماجه وغيره، وهو حديث حسن لغيره).
ولم يكن هذا التحول في السوق منفصلًا عن بقية مكونات الاقتصاد، بل كان جزءًا من منظومة متكاملة. ولفهم هذا التحول، يجدر النظر في حال الأسواق في المدينة قبل الإسلام وبعده. فقد كانت المدينة قبل الهجرة تضم عددًا من الأسواق، وكان أبرزها سوق بني قينقاع، وهو سوق يهودي كبير كان يمثل المركز التجاري الرئيس، وتُعرض فيه السلع، وتُدار فيه المعاملات، وكان خاضعًا لسيطرة اليهود، بما يتضمنه ذلك من أعراف تجارية لا تخلو من الاحتكار والتفاوت في موازين العدالة.
كما وُجدت أسواق أصغر مرتبطة بالقبائل والأحياء، لكنها لم تكن بمستوى سوق بني قينقاع من حيث النشاط والتنظيم. وكانت هذه الأسواق في الغالب فضاءات مفتوحة، تُعرض فيها السلع على البسط، دون تنظيم مركزي أو رقابة أخلاقية واضحة.
فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لم يكتفِ بالمشاركة في السوق القائم، بل أسس سوقًا جديدًا للمسلمين، يقوم على مبدأ الإتاحة العامة، فلا يُمنع أحد من البيع، ولا تُفرض رسوم أو ضرائب، ولا يُسمح فيه بالاحتكار أو التلاعب. وقد اختير له موقع قريب من المسجد النبوي، ليكون جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع.
ومن حيث الشكل، ظل السوق النبوي محافظًا على بساطته، فكان فضاءً مفتوحًا تُنصب فيه البسط، وتُعرض فيه السلع بشكل مباشر، دون حواجز أو محلات مغلقة، مما أتاح قدرًا عاليًا من الشفافية، وسهولة الوصول، ومشاركة الجميع في النشاط الاقتصادي.
أما من حيث الفاعلون في السوق، فقد برز عدد من كبار الصحابة في مجال التجارة، وكان منهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه، والزبير بن العوام رضي الله عنه، وغيرهم من الصحابة الذين جمعوا بين التجارة والخلق.
ولم يكن في المدينة ما يُعرف اصطلاحًا بـ”شيخ التجار” بالمعنى المؤسسي المعروف في العصور المتأخرة، إذ لم يكن السوق قائمًا على هيكل نقابي أو طبقي، بل كان مفتوحًا، يقوم على المنافسة الحرة المنضبطة بالقيم. غير أن بعض الصحابة كانوا يُعدّون مرجعًا في التجارة بحكم خبرتهم ومكانتهم، دون أن يكون لهم منصب رسمي.
كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار، لما فيه من ظلم وإضرار بالناس، فقال: »لا يحتكرُ إلا خاطئٌ« (رواه مسلم).
وهذا يدل على أن السوق في المدينة لم يكن قائمًا على الربح المجرد، بل على تحقيق العدالة ومنع الاستغلال.
ومن أعظم ما ميّز الاقتصاد في المدينة دور الأنصار في دعم المهاجرين، حيث تجلت صورة نادرة من التكافل الاجتماعي في نظام المؤاخاة، الذي جمع بين المهاجرين والأنصار، ليس فقط على مستوى المشاعر، بل على مستوى الاقتصاد والمعيشة.
فقد عرض الأنصار على إخوانهم المهاجرين أن يشاركوهم أموالهم وأراضيهم، في موقف يعكس أعلى درجات الإيثار، كما قال الله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر:9). وهذا النص القرآني يلخص روح الاقتصاد في المدينة، الذي لم يكن قائمًا على الفردية، بل على التكافل.
ومع ذلك، لم يُبنَ هذا التكافل على الاتكالية، بل على التوازن بين العطاء والعمل، حيث سعى المهاجرون إلى الكسب، وشاركوا في بناء الاقتصاد، مما جعل المجتمع متماسكًا ومنتجًا في آن واحد.
وقد قام الاقتصاد في المدينة على منظومة أخلاقية واضحة، في مقدمتها تحريم الربا، كما قال تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة:275). وهذا التحريم أسس لاقتصاد قائم على العدالة، لا على الاستغلال.
كما أكد الإسلام على الصدق في التجارة، وربط بين الأخلاق والبركة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
»الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا« (متفق عليه).
وهذا يبين أن البركة في الاقتصاد لا تتحقق بكثرة المال، بل بصدق المعاملة.
إن التأمل في هذا النموذج يكشف أن الاقتصاد في المدينة لم يكن معقدًا في أدواته، لكنه كان عميقًا في قيمه، حيث جمع بين الإنتاج والتكافل، وبين الحرية والانضباط، وبين العمل والإيمان.
وهنا يظهر الفرق بين اقتصاد يقوم على المادة وحدها، واقتصاد يقوم على الإنسان وقيمه. فالأول قد يحقق الثراء، لكنه لا يضمن العدالة، أما الثاني فيبني مجتمعًا متوازنًا، حتى وإن كانت موارده محدودة.
فلنحذر أن ننشغل بتعقيد النظم الاقتصادية الحديثة، ونغفل عن الأساس الذي قامت عليه، وهو القيم. فاقتصاد بلا أخلاق قد ينجح مؤقتًا، لكنه لا يستمر. ولنتذكر دائمًا أن أعظم ما يميز الاقتصاد في الإسلام أنه يبدأ من الإنسان قبل المال، ومن الضمير قبل النظام.
د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش
باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل
الثلاثاء20 شوال1447هـ
مقالات سابقة للكاتب