❇️ حتى تُنفقوا مما تحبون
حين نتأمل الآية الكريمة:
“لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ”
تلامس شيئًا عميقًا في النفس؛ إنها لا تضع الإنفاق كشرط عابر، بل تجعله ميزانًا لنيل البرّ، والبرّ هو الغاية السامية التي تشتاق لها القلوب المؤمنة: القرب من الله، والاطمئنان، والرّضا. لكن ما الذي يعنيه حقًا أن “تنفق مما تحب”؟ هل يقتصر المعنى على المال؟ أم أن الأمر أعظم وأشمل من ذلك بكثير؟
النفوس تميل إلى الراحة، إلى الدفء، إلى ما تعلقت به واعتادته. وحين يُطلَب منها أن تُفرّط في شيء تحبّه لوجه الله، تُختبر صدقها. من يهب مالًا فاض عنه، أو وقتًا زائداً لم يكن ليؤثّر على راحته، لا يرقى إلى درجة من بذل عزيزًا على نفسه أو غاليًا على قلبه.
ومن أبلغ صور هذا الإنفاق ما نراه في طاعاتٍ تُطلب منا في أوقاتٍ تحب النفس فيها غيرها. تأمل مثلًا في قيام الليل. حين يسدل الليل ستره، ويستغرق الناس في نوم عميق، ويشتدّ حنين الجسد إلى الوسادة، في تلك اللحظة تحديدًا يُرفع الستار عن المؤمنين الصادقين. هناك، وفي الظلمة، حيث لا يراهم أحد، يستيقظون لمناجاة ربهم، لأنهم اختاروا الله على راحتهم. وكأن ابن الجوزي وصفهم حين قال: “قيام الليل شرف المؤمن، لأنه يقدم محبة الله على محبة النوم.”
وما الاستغفار بالأسحار إلا امتداد لهذا المعنى؛ إنه ذِكر يخرج من قلب استيقظ مبكرًا، تاركًا نومًا يحبه وجسدًا يطلب الراحة. لذلك لم يذكره القرآن ضمن استغفار عابر، بل اختاره سبحانه في وصف خاص لمن يستحقون البركة:
“وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ”
ثم تأتي صلاة الفجر، تلك التي تقع في أحلك لحظات النوم عمقًا، وقت الدفء والسكون. ومع ذلك، فيها الوعد بدخول الجنة. يقول الرسول ﷺ:
“من صلى البردين دخل الجنة”،
في إشارة إلى الفجر والعصر، فحين تصلي وأنت في ذروة حاجتك للنوم أو الانشغال، فأنت تنفق مما تحب.
ولا يقتصر الأمر على العبادات، بل يمتد إلى صور أخرى من البذل حين تنتصر على رغبتك الذاتية في المواقف اليومية. حين تستطيع أن تردّ الإساءة، لكنك تختار العفو، فأنت تبذل من كرامتك، من مشاعرك المجروحة، وتعفو. الإمام أحمد وصف هذا بقوله: “العفو عند القدرة من شيم الكرام، وكظم الغيظ خلق الأنبياء.”
وحين تتصدق وأنت لست في وفرة، بل في شدة، فأنت من القلائل الذين صدقت فيهم الآية:
“ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”
ذلك لأن المال في تلك اللحظة يكون محبوبًا جدًا، والتمسّك به يبدو منطقيًا، لكنّك تجاوزت النفس. ولهذا قال النبي ﷺ:
“سبق درهم مئة ألف درهم”
لأن الدرهم خرج من قلب أحوج، وأصدق، وأخلص.
حتى الحب الذي يسكن في شيء بسيط — ككتاب عزيز، أو ساعة مفضّلة، أو وقت خاص بك — حين تهبه لأحد، أو توظفه في خدمة غيرك، أو تحرم نفسك منه لأجل الله، فأنت تنفق مما تحب. يقول ابن القيم: “كلما كانت المحبة للشيء أشد، كان بذله أعظم في الدلالة على صدق الإيمان.”
الإنفاق مما نحب لا يعني الحرمان، بل الرفعة. إنه دليل على أن النفس لم تعد عبدةً لما تهوى، بل باتت طيّعة لما يرضي الله. وهو السبيل إلى البر، والبر هو باب الطمأنينة الحقيقية التي لا تُشرى بالمال، ولا تُكسب بالنوم، بل تُنال ببذل أثمن ما في القلب.
فايز حميد البشري
مقالات سابقة للكاتب