العلاقات بين الدول تشبه كثيرًا العلاقات بين الناس.
ثمة علاقات تُعقد بماء الورد… لا تصمد أمام أول ريح، وثمة أخرى تُكتب بالحبر السرّي، لا يعرفها حتى أصحابها، وثمة القليل… القليل جدًا، يُوقّع على عهوده بالحبر والدم معًا.
في الرياض، وفي لحظة لا تشبه اللحظات العابرة،أعلنت المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية اتفاقًا دفاعيًا استراتيجيًا مشتركًا.
اتفاق لا يقول كلمات بروتوكول، بل يصرّح بتعهد:
“أي اعتداء على أحدنا… هو اعتداء علينا معًا.”
هذه ليست مجرد عبارة دبلوماسية مصاغة في وزارات الخارجية،
هذه صيحة في وجه أولئك الذين توهّموا أن الدول لا تملك قلوبًا،
ولا تحفظ الود، ولا تعترف بالجميل.
منذ عقود، والسعودية وباكستان تسيران جنبًا إلى جنب،
في ميادين التعاون، وفي دهاليز السياسة، وفي ظلال التحديات الكبرى.
لكن التوقيت الآن يضفي على الاتفاق نكهة أخرى…
فالعالم يشتعل، والخرائط تُعاد صياغتها، والأمن لم يعُد شأنًا محليًا.
السعودية لم تعُد تلك الدولة الهادئة التي تجلس في مقعد المتفرّج،
ولم تعُد “تكتفي بالدعاء” إذا احترق الجوار.
إنها اليوم تُدوّن سياساتها بخطّ واثق، وتوقّع صفقاتها بصوت مسموع،
وتعقد تحالفاتها على أسس لا تعرف الهشاشة.
أما باكستان… فليست هي الأخرى دولة هامشية.
إنها الدولة التي تحمل في قلبها ترسانة نووية،
وفي ذاكرتها صداقة قديمة مع مهد الإسلام،
وفي جسدها جراح الصراعات الإقليمية.
حين يجتمع بلد بقدرات السعودية، وبلد بثقل باكستان،
فالأمر لا يتعلّق فقط بالسلاح، بل بالإرادة.
لا يتعلّق فقط بالخطر، بل بالاستعداد له.
وليس الهدف فقط أن “نردّ العدوان”، بل أن نقطع الطريق على من تسوّل له نفسه.
الذين يفهمون السياسة بعيون الخُطب لا يُدركون حجم هذا الاتفاق.
والذين يحسبون قيمة التحالفات بعدد الصور الرسمية لا يدركون
أن بعض الصور… تشبه الأختام على صكّ المصير.
في هذا الاتفاق، رائحة الرجال الذين لا يُساومون،
وصدى الزعماء الذين يعرفون أن أمن الوطن لا يُهدى، بل يُحمى.
في هذا الاتفاق، وعدٌ ألا ينام العربي والمسلم وهو خائف،
وأن لا يتكرر فينا مشهد من تُرك وحيدًا، فذُبح،
أو صُفّق له من بعيد، فاحترق.
هي ليست ورقة…
هي جبهة جديدة في وجه الفوضى.
هي بيان صريح بأننا لن نكون صدىً لأصوات الآخرين،
بل صوتًا أصيلاً، إذا قال… سُمِع، وإذا وُعِد… وُفِي.
وفي ختام هذا المشهد المشرّف،
لا يسعنا إلا أن نتوجه ببالغ الشكر والتقدير
لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان،
ذلك القائد المحنّك، الحازم، الذي يُدير الملفات الكبرى بحكمة القادة وبُعد نظر رجال الدولة الكبار.
وكذلك لفخامة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف،
الذي أتى الرياض لا بوفد دبلوماسي فحسب، بل بقلبٍ ممتلئ بالإخلاص،
ويدٍ تمتدّ إلى شراكة ناضجة تُعيد للأمة شيئًا من وزنها.
والشكر موصول لصاحب السمو الملكي وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان ، حفظ الله الجميع …
على اتفاقٍ ليس مجرد دفاع… بل درس في الوفاء،
وفي أن الأخوّة، حين تُصان، تصنع التاريخ لا تُؤرَّخ فقط.
منصور بن صالح العُمري
مقالات سابقة للكاتب