فلسطين من الوعد إلى العهد

منذ أن خطّ آرثر بلفور وعده المشؤوم في الثاني من نوفمبر عام 1917، والعالم العربي والإسلامي يحمل في ذاكرته جرحًا لا يندمل، وخيانةً لا تُنسى. لم يكن وعد بلفور مجرّد تصريح سياسي، بل كان رخصة مكتوبة لاقتلاع شعب، وتدمير وطن، وتشريد أمة من قلبها النابض: فلسطين.

وعدٌ سُلّمت فيه الأرض لأغراب، وغُيّبت فيه الحقوق، ووقفت فيه القوى العظمى تتأمل سقوط أهل فلسطين، لا بعين العدل، بل بمنطق المصالح.

وفي ظلال ذلك الوعد، اجتاح الظلم يافا وحيفا والقدس وغزة، وسالت دماء الأطفال، وتقطعت أوصال التاريخ.

لكننا اليوم، بعد أكثر من قرن على ذلك الوعد المشؤوم ، نقف على ضفةٍ أخرى من الزمن. ضفة لا يُكتب فيها التاريخ بيد الغرباء، بل بأيدي أبناء الأرض، ومن رحمها. ضفةٌ لم تأتِ بالخطابات الرنانة، ولا بالشعارات المستهلكة، بل برؤية، وبصيرة، وعزم جديد.

هي رسالة لا تُكتب بالحبر، بل تُقال بالفعل، ويُشهد عليها الواقع:

من وعدِ بَلفورَ جاءَ الظلمُ والبَطَرُ

عاثوا بِيافا وحَيفا حيثُما ظفِروا

********

سلبوا الديارَ، فلا بيتٌ ولا وطنٌ

وقَتَّلوا الناسَ، والأكبادُ تنفَطِرُ

*********

لكنّها اليومَ في نصرٍ وفي شمَمٍ

عادتْ فلسطينُ، والأصداءُ تنتشرُ

********

عادَتْ بفضلِ إلهِ العرشِ باسمةً

وعدُ المُحمّد، لا بَلفورُ، يُنتظَرُ

في هذه الأبيات، ما يختصر مراحل التحوّل: من وعدٍ مزّق الأرض، إلى وعدٍ يُعيد رسم الكرامة. من استعمارٍ كَتب سطور الألم، إلى قيادة عربية تسعى لرسم مشهد مختلف، عنوانه السيادة لا التبعية، والعزّة لا الاستجداء.

وعد الأمير محمد بن سلمان ليس تصريحًا عابرًا، بل هو تجسيد لرؤية تمتد من الرياض إلى القدس، وتجوب عواصم العالم مسجلةً اعترافها بفلسطين ،تتعامل مع فلسطين لا كورقة في لعبة الأمم، بل كقضية مركزية، تمسّ ضمير الأمة وتشكّل وجدانها.

إنها رسالة رمزية، لكنها صادقة في معناها:

“يا بلفور، ها نحن نكتب التاريخ من جديد، لا على جلودنا، بل بأيدينا.

ويا فلسطين، عودتكِ ليست وعدًا من غريب، بل عهدًا من شقيق.”

وما بين وعد بلفور وعهد محمد، تمضي الأجيال تحمل الأمل، لا الألم ، وتسعى للبناء لا الهدم .

تعجز الكلمات أن توفي هذا الهمام حقه من الثناء والشكر ، ولعل دعوات الأرامل واليتامى حين ينعمون بالسلم في وطنهم تغني عن الخطب والقصائد.

منصور بن صالح العُمري

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *