جيل عطره الأدب

مناشدة وزير التعليم

حين سألني ابني: “بابا، ليه لازم أكون مؤدب؟”

توقفت للحظة، لا لأن السؤال غريب، بل لأنه عميق. في زمن تتسارع فيه التقنية وتتشابك فيه المفاهيم، باتت القيم تُختزل في شعارات، والأدب يُختبر في مواقف عابرة. نظرت إليه وقلت: “لأن الأدب هو اللي يخلي الناس تحبك وتحترمك، حتى قبل ما يعرفونك”. لكنه ظل يتأملني، وكأن الإجابة لم تروِ ظمأه الفطري للمعنى.

في تلك الليلة، فتحت كتابًا كنت قد اقتنيته منذ مدة، عنوانه “حلية الوقار لجيل عطره الأدب” لعلي بن جابر الفيفي. قرأت له حديثًا نبويًا عن الحياء، ثم شرحًا مبسطًا، ثم تطبيقًا عمليًا يقترح أن يراقب الطفل كلامه في يومه. لمعت عيناه، وقال: “يعني الحديث مو بس نحفظه؟ نعيشه؟”. عندها فقط، شعرت أن هذا الكتاب لا يجب أن يبقى على رفوف الآباء، بل يجب أن يصل إلى مقاعد الصفوف الأولى.

من هنا، أوجه مناشدتي لمعالي وزير التعليم، أن ينظر بعين الحكمة والمسؤولية إلى هذا الكتاب التربوي الفريد، وأن يُدرج ضمن مناهج الصفوف الأولية، ولو في إطار غير مقيم، كمنهج إثرائي أو نشاط توجيهي. فالمجتمع اليوم لا يحتاج فقط إلى معرفة، بل إلى تهذيب، إلى غرس، إلى بناء داخلي يسبق التلقين الخارجي.

الكتاب لا يثقل كاهل الطالب، بل يفتح له نافذة على النور. لغته سهلة، وأحاديثه صحيحة، وشرحه مبسط، وتطبيقاته واقعية. إنه لا يطلب من الطفل أن يكون مثاليًا، بل يساعده على أن يفهم لماذا يكون الأدب جزءًا من شخصيته، لا عبئًا على سلوكه.

في زمن كثرت فيه الشكوى من ضعف الاحترام، وتراجع الذوق العام، وتنامي السلوكيات السلبية، فإن إدراج هذا الكتاب في المناهج هو استثمار في الإنسان قبل أن يكون قرارًا إداريًا. هو بناء لجيل يعرف أن الأدب ليس رفاهية، بل ضرورة.

معالي الوزير، إننا نثق في رؤيتكم لبناء جيل سعودي معتز بدينه، متخلق في سلوكه، واعٍ في تعامله. وكتاب “حلية الوقار” هو لبنة صادقة في هذا البناء. فلتكن هذه المبادرة بداية لعودة الأدب إلى الصف، لا كمعلومة، بل كحياة.

الحياة قد تنقلب بلحظةٍ
‏بمكالمة هاتفية
‏بنتيجة تحاليل
‏بخطوة خاطئة في الشارع
‏بمقابلة شخص
‏بكلمة أو بموقف
‏حيث لا قوّتك، ولا علمك، ولا فهمك، ولا أموالك ستنفعك أمام أي لحظة من هذه اللّحظات
‏لا أحد يعرف ماذا تحمل معها اللّحظات القادمة
‏لهذا قُل دائمًا: اللهم تولّني فيمن توليت “

فايز حميد البشري

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *