– الـتيه فـي عـمـل ليـس فيــه غــرض .. صـحــيحاً لفــاعـله .
سألتني إمرأة مسنّة ذات يــوم : ( كيف حالك يـا بني ) و فـي لحـظـة إدراكــ و صـمـت عــمـيــق ، أثـقـلـنـي الـرد و قـلـت ” يا لـه ” من ســؤال عـميـق ، وقـع فــي الــنـفـس .
و بـعـد الـتفـكـيـر مـلياً ، و فـي لـحظة ، أدركـت ؟
أنــني أعيش في عبثية أخـلاقـيـة …!!!
نعـم – و كمـا قرأتــها يــا عزيزي : –
أنــا فـي عبـثـيات خُـلـقـيـة
– دعــنــي أوضــح لـكـ مـاذا تعـني العــبثية الــخُلقـيـه : –
– بـا المفـهـوم الـفـلسـفي : –
هـو غــياب المـعنــى و المــنـطـق عـن عــقـل الإنـســان ، مـا بـيـن الإيـمــان بالـشئ أو الــتمـرد علـيه ، و لربـمـا الأستسلام لـه .
– و بالـوعـي الـظـاهـري : –
هـو الـتـنـاقــض بـين إدراكـ الـسـلــوك دون مـعـرفـة الــدافــع ، مابـين الــرغبــة – الــشـهــوة – الــغريــزة .
و هـذا حــال الفــكــر حـيـن يقـتـصـر عـلـى سطـحـيـة العـقـل .
– بــإســتـثـناء الــرغبــة – و هـي مـنـفــصــلـة عـن الـشـهـوة و الـغـريـزة : – و مـبـنـيه عـلـى الإخـتـيار الـواعـي لـمـا نـريـد أن نـشـعـر بـه و نـحـقـقـه .
– مـنـذ بــدايـة الـخـلـق البـشـري لسـيـدنا آدم عـلـيـه الـسـلام ، و مـا تَـبـِعتـُه الأحــداث فـي قـصـة أبـنـائـه قــابـيــل و هـابـيـل والـتـي وردت فـي الـقـرآن الـكـريـم : – لقوله تعالى ” ﴿ ۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ( المائدة 27 ) .
إذ كـان بـيـن الأخـويـن ، صـراع عــبـثــي خُــلقـي مـابـيـن الـخـيـر و الـشـر
ثـم أُستـسلـم للــنـفـس الــعـبثـية ، بإرتــكـاب أول جــريــمـة قــتـل فــي الــتــاريــخ الـبـشـري ، أن قـابـيـل قـتـل أخــاه هـابـيـل و أصـبـح مـن الـخـاسـريـن .
– و قـصـة إمرأة الـعـزيـز مـع سـيـدنـا يـوسـف عـلـيـه الـسـلام لـحـادثـة الإغـواء لقوله تعالى : – الآية ﴿ ۞ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾
( يوسف : 30 )
إذ كـانـت بـيـن صــراع الــرغــبة و الغـريـزة ، و بيـن السـلـطـة والألـتـحـام الأخـلاقـي .
– ثـم أتـت الـعـدالة الإلـهـيـة
– و الـحـكـمـة مـن تلـك الــقصـص : –
هـي رسـالـة تـدبـر با القــدرة الإلهيه ، تـحـمـل فـيهـا الـعـظـة و الــعـبرة الـعـظـيـمـة في مـكنـونات إرادة الــخـالـق سـبحانه وتـعـالـى للـبـشـر ، للـفـعـل ورد الـفـعـل ، و إذ يـعـلـمـنا الرب أيـضـاً ، أن الـحـسـد و الغـيـرة : – هـمــا أصـل جـذرو الأضـطـرابـات الـسـلـوكـيـة للـنفـس الـبـشـريـة ، ثـم يـتـولـد الــفـعـل الـضـار ، ثـم الــجـريـمـة .
و أن الـرغـبـة و الـشـهـوة مـن مـفـسـدات إتــزان الـوعـي الأخـلاقـي ، وأن قـمـة الـفـضـيلـة ليـسـت فـي الـظـروف بـل فـي حــســن الإخـتـيـار ومـرءوة النـفـس الـبشـريـة .
– و اليوم عـزيزي القأري حـيـن نـنـظـر لـمن حــولـنـا ، بـمـنـظـور الـوعـي الـمـرتـفـع للـمـنـطـق ، سـتـلاحـظ أن الأغـلـب يـمــارس الـسـلـوك الــيـومــي كــعــادة ، لا .. إختـيـار ، و الأخــلاق قــنــاع ، لا عـن قــنـاعـة .
و الــخـاتـمـة : – تــحـدد ، ســمـو الأخـلاق ، إن كـانـت مـبـنيـة عــن قــنــاعه ، أو قــنــاع تـتجلـى فـيـه الــعـبثـية الأخـلاقـية و هــي ، الأكــثـر خـداعــاً ، لـلعـقـل الـبـشـري .
– وهنـا يـكـمـن الـسـر مـا بـيـن العـقـل و الغـمـوض .
يـقـول ديـكارت : –
– ذات مـرة ، فـي افـتتـاح كـتابـه – خـطـاب فـي الـمـنهـج
– “العـقـل أعـدل الأشـيـاء قـسـمـة بيـن النـاس .”
– لـكـن إن كـان الـعـقـل متـساويًا بـيـن الـبـشر ، فـكيـف نخـتلـف فـي أفـكـارنا ، فـي مـوقفـنا ، فـي أخـلاقـنا ؟
– الجـواب كـمـا قـال ديكـارت نـفـسـه : –
ليـس فـي الأداة ، بـل في إسـاءة استـخـدامـهـا.
– و هـنـا تـتـجـلى العبـثـية الأخـلاقـيـة ، حـيـن يـستـخـدم العـقـل لـتبـريـر الـرغـبـة لا لفـهـمـها .
حـيـن يتـحـول الـتـفـكيـر إلـى وسـيـلـة لـلـهـروب مـن الحقيقة ، لا – للوصول إليها .
– إن التـيه الأخـلاقي ليـس غـياباً للـعقـل ، بل هو إنحــراف فـي بـوصـلـته.
– كـما تـاه بنـو إسـرائـيـل فـي الأرض ( 40 ) سنة بأمـر مـن الله لقوله تعالى الآيه : – ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾
[ المائدة: 26].
– تـتيـه الـنـفـس الـعبـثـيـة ، حـيـن تـسـئ إسـتـخـدام عقـلـها ، تـسـيـر الأخـلاق فـي حيـاة الإنـسـان ، كـمـا لـو كـانـت فـي دوران لا ينـتـهـي ، بـدون هــدف واضح ، لـيـلاً ونـهـارا ، دون إدراكـ ثـم العــودة لنـفـس الـمـكـان ما بـيـن النـقـص والفـسـاد .
– أعـرف رجـلـيـن مـن الأصـدقـاء ، الـودوديـن إجـتمـاعـيـاً الـعـابـثـين خـلـقـيـاً : –
الأول – يـمـتـلك مـلايـيـن الـدورلات و لـديه آسـرة رائــعـة جــداً ، كــرس حـيـاتـه مـابـيـن التـعـلـيـم و الـتـجـارة و الـمنـاصـب ، و لـكــنـه الـيـوم يـعـيـش ، حاله من الـنـقـص و الـفسـاد مـا بـيـن الغـريـزة – الشـهـوة – الأنـانـيـة ، الـمـؤثـرة سـلـوكيـاً بـدوافـع الـنـمـرود .
– و الـثـانـي لا يـمـتـلك شـي ، عـاطـل ، بـلـغ الـخـمـسـين مـن عـمره ، مـعـظـم حـيـاتـه مـلـيئـه بالــنـقـد و الـغـيـرة و الـحـسـد ، و التـحـلـيـلات الـريـاضـية و الإخـبـاريـة و يـعتـقـد أن قـرارات الـكـونـغـرس في يـده .
و كـلاهـمـا غـارقاً فـي تـيـيـه دون إدراك للـفـضـيـلة و الـمـروة ، و سلوك الـتـأثـيـر على الأبـنـاء و الـزوجـة .
و الـتـيـه لـديـهـمـا ، أشـد من تـيـه بـنـي إسـرائـيـل ، و للـمـفـارقـة أن تـيـه الـنـفـس لـيس جــغـرافـيـاً ، بـل و جـودياً أيـضـاً .
… وفـي عـصـر يـتـسـم التـسـارع التـكـنـولـوجـي والـتسـيـب الأخـلاقـي ، يـجـد الإنـسـان نـفـسـه غــارقـاً فـي مـفـارقـة وجـوديـة ، بالـسعـي الحثـيـث نـحـو الـمـعنـى مـقـابل تآكـل الـوضـوح الأخـلاقـي .
بـوصـفـهـا حـالـة يـتـذبـذب فـيهـا الـسـلوك الـبـشـري بـيـن النـيـة الـواعـيـة والـدافــع الـغريـزي ، بـيـن الفـضيـلـة والـرغـبـة ، و بـيـن قـنـاع الأخـلاق وغـيـاب الـقـنـاعـة الأخـلاقـيـة ، وأن الفضيلة و المرءوة هـمـا أولى ركـائـز الإدراك ، للـوعـي الأخـلاقـي .
عبدالله الرسام
مقالات سابقة للكاتب