في هذه الأيام، هبطت أسعار الذهب والفضة، وامتلأت المجالس بأحاديث الفرص المتاحة للشراء ، والغنيمة، قبل أن يرتفع مرة أخرى ، وقد يكون البعض قادراً على اغتنام الفرصة ، لكنه ، لا يبالي وربما يسوّف ، وربما يأمل في الانخفاض أكثر ، وإذا تسارعت الأيام ، وعاد الارتفاع حينها ترى الوجوه وفيها شيء من الغبن، شيء من الحسرة، شيء من ذلك الشعور الذي يلسع القلب حين يدرك المرء أنه كان قادرًا… لكنه لم يفعل.
لكن العجيب — بل المؤلم — أن هذا الغبن الدنيوي، على شدّته، لا يساوي شيئًا أمام غبنٍ آخر ينتظر كثيرًا من الناس يوم القيامة. يوم سُمّي في القرآن يوم التغابن… يوم تظهر فيه الخسارة الحقيقية، ويكتشف الإنسان أن كل ما فاته في الدنيا كان هيّنًا، وأن الفرص التي ضيّعها للآخرة كانت أثمن من كل ذهب الأرض وفضتها.
غبن الدنيا… وغبن الآخرة
في الدنيا، حين تفوّت الإنسان فرصة شراء ذهب بسعر منخفض، يشعر بالضيق. يلوم نفسه، ويعيد حساباته، ويتمنى لو عاد به الزمن قليلًا.
لكن في الآخرة، حين يرى العبد مقعدًا في الجنة كان يمكن أن يكون له، عملًا يسيرًا كان قادرًا عليه، صلاة خاشعة، قراءة قرآن ، صدقة يسيرة ، كلمة طيبة ،
مشاركة في مجال الخير ؛ حين يرى كل ذلك وقد صار لغيره، هناك فقط يعرف معنى الغبن الحقيقي.
في الدنيا، يمكن تعويض الفرص.
أما في الآخرة، فليس هناك سوق يعود ليفتح أبوابه، ولا أسعار تهبط من جديد، ولا زمن يُسترجع.
الناس اليوم يتحسرون على ذهبٍ يفنى…
ويتحدثون عن المكاسب، وعن الربح الذي كان قريبًا.
لكن كم من فرصة للآخرة تهبط أمام أعيننا كل يوم… ولا نلتفت إليها؟
فرصة صلاة في وقتها .
فرصة سنة الفجر خير من الدنيا
فرصة استغفار يمحو الله به جبالاً من الذنوب
فرصة برٍ للوالدين ينتظران كلمة طيبة
فرصة قراءة آية واحدة ترفعك درجات
فرصة دعاء جوف الليل ، وخلوة مع الرب سبحانه
هذه فرص أعظم من الذهب، أثمن من الفضة، وأغلى من الدنيا وما فيها.
ومع ذلك… تمرّ أمامنا، ولا نشعر بوزنها.
يوم التغابن… يوم تظهر الحقيقة
يوم القيامة، حين تُكشف الحقائق، سيعرف الناس أن الغبن الحقيقي لم يكن في الذهب الذي لم يشترونه، ولا في الصفقة التي لم يربحوها، بل في:
فرصة التوبة النصوح التي حيل بينه وبينها ،
فرص الأعمال الصالحة التي كانت متاحة ومقدور عليها ، ضاعت عليهم
هناك سيقول الإنسان:
يا ليتني قدّمت لحياتي.
لكن من رحمة الله علينا ؛ الفرص لا تزال أمامنا ، فباب الربح الأخروي لا يزال مفتوحاً ،
الأسعار في الدنيا قد تهبط وقد ترتفع
لكن أبواب السماء لا تغلق ، أمام التائبين ،
والفرص التي ضيّعناها بالأمس في الطاعة يمكن أن نعوّضها اليوم.
يكفي أن يعزم الإنسان على التوبة والرجوع والندم على ما فات والعزم على أن لا يعود ويلتقط فرص الطاعة
قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا شراء.
ختاماً
اغتنم ما بقي، فالعمر رأس مالك، والآخرة هي السوق الحقيقي، وربحها أعظم من كل ما تهبط أو ترتفع به أسعار الدنيا.
د.صلاح محمد الشيخ
مستشار أسري وتربوي
مقالات سابقة للكاتب