نعيش زمناً ، تتزاحم فيه الأصوات، وتتنازع فيه الاهتمامات، وتتشابك فيه الطرق، مما يجعلنا في حيرة من أمرنا
كيف نعيد ترتيب أولوياتنا ، ونوازن بين اهماماتنا ، ولعل من أبرز القصص العميقة التي حفظتها السنة النبوية، تبرز لنا قصة جريج العابد كمرآة صافية تكشف لنا معنى التوازن، وخطورة الانشغال عن الحقوق، وكيف يمكن لاجتهاد بسيط ؛ أن يفتح باب ابتلاء كبير .
كان جريج رجلًا صالحًا، اعتزل الناس لعبادة الله، وبنى صومعة يتفرغ فيها للصلاة. وفي يوم من الأيام، جاءت أمه تناديه وهو في صلاة نافلة.
تردد…
هل يجيبها؟ أم يكمل صلاته؟
اختار الصلاة، فدعت عليه أمّه.
لم يكن جريج عاقًا، لكنه قدّم نافلة على واجب، فكان ذلك سببًا لابتلاء عظيم اتُّهم فيه ظلمًا، حتى برّأه الله بمعجزة.
قصته باختصار
عندما قدّم جريج صلاته النافلة على الحق الواجب لأمه ، في اجابة دعوتها له ،
غضبت ودعت عليه ؛ حيث قالت :
( اللهم لا تُمِتْهُ حتى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَات ) يعني الزّانيات أو الباغيات
الاتهام ظالماً
بعد فترة من الزمن، اتُّهم جريج ظلمًا بأنه زنى وأنجب طفلًا، فهجم الناس عليه وهدموا صومعته.
المعجزة
عندما جاءوا بالطفل إليه، تكلم الرضيع بأمر الله وقال:
“أبي هو الراعي، وليس جريجًا.”
فانكشفت براءته وعاد الناس يعتذرون له.
هذه القصة ليست مجرد حكاية… إنها درس تربوي عميق يرسم لنا خارطة طريق واضحة ، في ترتيب أولوياتنا ،
جريج لم يخطئ لأنه صلى، بل لأنه لم يفرق بين نافلة وواجب ، فاجتهد فكان الاجتهاد خاطئاً ولو كان في عبادة نافله فحق أمه أوجب في هذا المقام ،
فالشاب الذي يوازن في أموره الحياتيه ،
سواء كانت تعبدية أو اجتماعية أو أسرية
هو الشاب الذي يوفق لترتيب أولوياته ويوازن بين اهتماته ، فحري بأن يكون النجاح حليفه ،
من الدروس التي يستفاد منها في هذه القصة ، أن لا يكون العمل الصالح النافلة ، سبباً في ترك واجب أو اهماله ،
لاننا قد نلاحظ انشغال بعض الشباب بمبادرة تطوعية وينسى أهله.
وآخر يغرق في تطوير ذاته وينسى مسؤولياته.
وثالث يركض خلف النجاح وينسى صحته.
قصة جريج تقول:
قد لا يصبح الخير خيراً ؛ إذا كان على حساب واجبٍ أعظم .
الابتلاء
قد يأتي الابتلاء من ثغرة صغيرة… فانتبه لثغراتك ؟
جريج كان عابدًا، لكن ثغرة واحدة فتحت عليه بابًا من البلاء.
كل شاب لديه ثغرة: غضب ، تسرع ، اهمال ، لا مبالاه ، سوء فهم ، ،،،،
لذا فإن معرفة الثغرة أول خطوات اغلاقها ،
الظلم
الناس قد يظلمونك… لكن الله لا يظلم
اتهموا جريج بما لم يفعل ، هدموا صومعته ، شتموه ،
لكن الله أظهر براءته بطريقة لا تخطر على بال.( طفل رضيع يتكلم ، ويشهد ببراءة جريج )
ما أعظمك ربي ،، تنصر المظلومين
فالرسالة لكل شاب يمر بظلم أو اتهام أو سوء فهم ( اصبر ،،، فالحق لا يضيع عند الله ، وسيكون الله ناصرك ،،
كيف تبنى سمعة الإنسان ؟
السمعة الحقيقية تُبنى بالثبات ….
لا بالكلام ،،
لم يدافع جريج عن نفسه بالصراخ.
لم يبرر ، لم يطلب تعاطفًا.
ترك أمره لله، فتكفّل الله به.
الشاب الذي يثبت على دينه وقيمه، يكون حافظاً لله ؛ وسيكون الله معه ، معيناً ونصيراً ، وسيشهد له البشر ولو بعد حين .
ختاماً
قصة جريج ليست قصة رجل عاش قبل قرون…إنها قصة كل شاب اليوم:
شاب يبحث عن ذاته، عن توازنه، عن طريقه، عن معنى حياته.
والطريق يبدأ من هنا:
اعرف أولوياتك، احمِ قلبك، وكن صادقًا مع الله… وسيصنع الله لك من ضيقك فرجًا ومن صبرك نورًا.
د.صلاح محمد الشيخ
مستشار تربوي وأسري
مقالات سابقة للكاتب