تَلْبِيَةُ الدَّعْوَةِ أَوِ الاِعْتِذَارُ

وَاجِبٌ اجْتِمَاعِيٌّ يُعَزِّزُ التَّآلُفَ
الإِنْسَانُ كَائِنٌ مَجْتَمِعِيٌّ بِطَبْعِهِ، يَمِيلُ إِلَى الأُلْفَةِ وَالتَّوَاصُلِ، وَيَجِدُ فِي الْعَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ مَصْدَرًا لِلاِسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ وَالتَّوَازُنِ الاِجْتِمَاعِيِّ. وَقَدْ جَاءَ الإِسْلَامُ مُؤَكِّدًا هَذِهِ الطَّبِيعَةَ، فَوَضَعَ مَنْظُومَةً مُتَكَامِلَةً مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، تَنْظِيمًا لِلْعَلَاقَاتِ، وَتَعْزِيزًا لِرُوحِ الْمَحَبَّةِ وَالتَّرَابُطِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ.

وَمِنْ بَيْنِ هَذِهِ الْحُقُوقِ الَّتِي أَوْلَاهَا الشَّرْعُ عِنَايَةً خَاصَّةً: إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ. فَلَيْسَتْ تَلْبِيَةُ الدَّعْوَةِ مُجَرَّدَ مُجَامَلَةٍ عَابِرَةٍ، وَلَا تَصَرُّفًا شَكْلِيًّا يُؤَدَّى عِنْدَ الْفَرَاغِ، بَلْ هِيَ وَاجِبٌ ذُو بُعْدٍ شَرْعِيٍّ وَأَخْلَاقِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ، يُجَسِّدُ مَعَانِيَ التَّقْدِيرِ وَالاِحْتِرَامِ وَحِفْظِ الْوُدِّ بَيْنَ النَّاسِ.

فَقَدْ بَيَّنَ نَبِيُّنَا وَقُدْوَتُنَا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانَةَ هَذَا الْحَقِّ، فَقَالَ:
«حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ».
فَجَعَلَ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ فِي مَصَافِّ الْحُقُوقِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا الْمُجْتَمَعُ الْمُتَرَاحِمُ، وَالَّتِي بِتَحْقِيقِهَا تَقْوَى عُرَى الْأُخُوَّةِ وَيَتَعَزَّزُ التَّكَافُلُ.
وَقَدْ أَكَّدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُصُوصًا عَلَى إِجَابَةِ دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ إِعْلَانِ الْفَرَحِ وَمُشَارَكَةِ السُّرُورِ، فَقَالَ:
«وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ».

وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ إِجَابَةِ دَعْوَةِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ مُعْتَبَرٌ، كَوُجُودِ مُنْكَرٍ لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ، أَوْ ظَرْفٍ قَاهِرٍ يَمْنَعُ مِنَ الْحُضُورِ.

وَإِذَا وُجِدَ الْعُذْرُ الْحَقِيقِيُّ، فَإِنَّ الِاعْتِذَارَ يَصِيرُ هُوَ الْوَاجِبَ، لَا مِنْ بَابِ التَّرَفُّعِ، بَلْ مِنْ بَابِ الأَدَبِ وَالذَّوْقِ وَحُسْنِ التَّعَامُلِ. فَالِاعْتِذَارُ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ يُظْهِرُ صِدْقَ الْمَوَدَّةِ، وَيُقَدِّرُ جُهُودَ الْمُضِيفِ، الَّذِي يَتَحَمَّلُ تَكَالِيفَ مَادِّيَّةً وَمَعْنَوِيَّةً لِيُخْرِجَ مُنَاسَبَتَهُ فِي أَفْضَلِ صُورَةٍ.

إِنَّ تَجَاهُلَ الدَّعْوَاتِ دُونَ رَدٍّ، أَوِ التَّأَخُّرَ فِي إِبْلَاغِ الِاعْتِذَارِ، قَدْ يُحْدِثُ أَثَرًا خَفِيًّا فِي النُّفُوسِ، وَيُضْعِفُ جُسُورَ التَّوَاصُلِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِذَلِكَ. فَالْمُنَاسَبَاتُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَجَمُّعَاتٍ، بَلْ هِيَ مَحَطَّاتٌ لِتَجْدِيدِ الْعَلَاقَاتِ، وَتَرْسِيخِ قِيَمِ الاِحْتِرَامِ وَالتَّقْدِيرِ الْمُتَبَادَلِ.

وَفِي زَمَنٍ تَسَارَعَتْ فِيهِ وِتِيرَةُ الْحَيَاةِ، وَتَعَدَّدَتِ الاِلْتِزَامَاتُ، تَبْقَى الْقِيَمُ الأَصِيلَةُ هِيَ الْمِعْيَارَ الْحَقِيقِيَّ لِرُقِيِّ الْمُجْتَمَعِ. فَتَلْبِيَةُ الدَّعْوَةِ عِنْدَ الاِسْتِطَاعَةِ، أَوِ الِاعْتِذَارُ عَنْهَا بِأَدَبٍ وَوُضُوحٍ عِنْدَ الْعُذْرِ، لَيْسَا رَفَاهِيَّةً، بَلْ هُمَا وَاجِبٌ اجْتِمَاعِيٌّ يُعَزِّزُ التَّآلُفَ، وَيَحْفَظُ الْمَوَدَّةَ، وَيُسْهِمُ فِي بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ مُتَمَاسِكٍ تَسُودُهُ الأُخُوَّةُ وَالاِحْتِرَامُ.

أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ مِنْشَاوِيٍّ
مكة المكرمة
الأَحَدُ ٢٧ شَعْبَانَ ١٤٤٧ هـ
المُوَافِقُ ١٥ فِبْرَايِرَ ٢٠٢٦ م

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “تَلْبِيَةُ الدَّعْوَةِ أَوِ الاِعْتِذَارُ

أحمد عرفة حلواني

ماشاء الله طرحك ألجمني
إلا من الدعاء للعروسين ان
يبارك لهما وعليهما وان يمن الله عليهما بسعادة الدارين
ودوام الرضا والسرور ويبعد عنهما كل حسود ويمن على
عليكم جميعا ببلوغ المراد
—————
لا تعتذر أنا اللي لازم أعتذر
ببعدي عمن بالمكارم قد ذكر
شهم كريم ليس يسبر غوره
ابن مكة وبكل سبق منتصر

احمد عرفه حلواني

ماشاء الله مقال هادف هدفه
تذكير وتعليم وإصلاح مجتمع
وترفع عن سفاسف الأمور
وعتاب مؤدب يكشف عن شخصية متواضعة
حفظ الله من كتب
وحفظ الله من ارسل
——————
ملحوظة:-

ربما سقطت كلمة سيدنا سهوا
فابن مكة لايستطيع لفظ اسم النبي صلى الله عليه وسلم دون ان يقول سيدنا
فقد جاء في الحديث الشريف
أنا سيد ولد آدم ولا فخر
وجاء في امره للأنصار
قوموا لسيدكم( سعد بن معاذ) رضي الله عنه وعنا به

—————
ولو كنت مدعو لأجبت او اعتذرت.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه
تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *