منطقة الظل

الأيام العادية التي تُصنع فيها المصائر.

كل الناس تُجيد البدايات.

نحب أن نعلنها.

أن نشعر بقوتها.

أن نصدق أننا أمام لحظة تحوّل كبيرة.

في البداية، يبدو كل شيء ممكنًا.

النية صافية، الحماس مرتفع، والخطوة الأولى خفيفة.

لا نرى العوائق كاملة، لأن الضوء ما زال ساطعًا.

لكن الضوء لا يبقى دائمًا.

الحياة لا تختبرنا في أول الطريق،

بل حين يصبح الطريق عاديًا.

حين يتحول المشروع إلى أرقام ومسؤوليات.

حين تتحول العلاقة إلى تفاصيل يومية بلا مشاهد درامية.

حين يتحول الشغف إلى التزام لا يصفق له أحد.

منتصف الطريق لا يملك موسيقى تصويرية.

لا أحد يكتب عنك لأنك صمدت أسبوعًا آخر.

لا أحد يحتفي بك لأنك قاومت رغبة الانسحاب.

وهنا يتكشف الفرق الحقيقي:

هل كنت تحب الهدف… أم كنت تحب شعور البداية؟

نحن نعيش في زمن يمجّد الإطلاق أكثر من الاستمرار.

إطلاق مشروع.

إطلاق خطة.

إطلاق نسخة جديدة من الذات.

لكن قلّ من يتحدث عن الذين واصلوا بلا وهج.

عن الذين لم يكونوا أبطالًا في نظر الناس… لكنهم لم ينسحبوا.

وها نحن في رمضان، بين عشرٍ أولى مضت بحماسها، وثانية بدأت بهدوئها، وأخيرة ينتظرها الجميع.

المشهد نفسه يتكرر في حياتنا: بداية متقدة، منتصف صامت، ونهاية نحلم أن تكون مشرّفة.

السؤال الحقيقي ليس عن البداية.

بل عنك… الآن.

هل ما زلت ملتزمًا حين خفّ الشعور؟

هل ما زلت صادقًا حين لم يعد أحد يلاحظ؟

هل ما زلت تعمل حين لم يعد الطريق جديدًا؟

لا أحد يسقط في النهاية.

السقوط يبدأ في المنتصف.

يبدأ بقرار صغير: “ليس اليوم”.

بمعيار تخليت عنه لأنك تعبت.

بوعود أجلتها لأن الحماس لم يعد حاضرًا.

الحياة ليست سلسلة قمم.

هي أيام عادية طويلة.

ومن يتقن العيش في الأيام العادية… هو من يصل.

ليس النجاح أن تبدأ بقوة،

ولا أن تنهي بتصفيق.

النجاح الحقيقي أن تبقى صادقًا في منطقة الظل،

حتى حين لا يراك أحد.

وإن تأملت حياتك بصدق،

ستكتشف أن مستقبلك لا يُصنع في لحظات الحماس،

بل يُحسم الآن…

في هذا اليوم العادي الذي تفكر فيه بالتراجع.

حسن القحطاني 

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “منطقة الظل

عائض السلمي

جميل جدا ا. حسن
مواصلة السير بخطوات ثابته هو نجاح حقيقي
يصنع فرقاً ويحقق هدفاً ويبعث في النفس املاً جديداً
يكون سبباً في الوصول للغاية الكبرى رضى الله والفوز بجناته..
تحية لك ..قلم رائع.

احمد الرفاعي عبد المقصود موسى

أحسنت د حسن
وضوح الهدف وصدق النية والثبات على الطريق
أساس متين للوصول لبلوغ الغاية
بارك الله فيك د حسن وفتح عليك
مقال رااااائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *