أصعب ما قد يمر به الإنسان ليس التعب ولا الفشل بل أن تمتلئ روحه بالكلام ولا يجد شخصاً واحداً يصغي إليه بصدق.
عندها يدرك أن حاجته إلى صديق قد تكون أعظم من حاجته إلى كثير من الأشياء الأخرى في الحياة.
نلتقي في حياتنا بآلاف الوجوه نصافح الكثيرين ونتحدث مع عدد لا يحصى من الناس لكن القلب يظل يبحث عن شخص واحد فقط شخص يشعر معه أن الحياة أصبحت أقل قسوة.
عند كل صلاة أذهب إلى المسجد مبكرا أجلس قبل الأذان أقرأ القرآن وأقلب بصري بين الوجوه من حولي
أبحث بهدوء عن صديق لا يهمني شكله ولا جنسيته ولا قبيلته ولا لونه ، لكن مع انتهاء الصلاة ينهض الجميع مسرعين نحو الأبواب ويبقى المقعد الذي أجلس فيه شاهدا على بحث صامت لم يكتمل بعد.
لم أكن أنتظر أحدا بعينه لكنني كنت أبحث عن صديق لم ألتق به بعد.
ولعل هذا المعنى أشار إليه رسول الله ﷺ حين قال:
(الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة).
فليس كل من نلقاه يصلح رفيقا للطريق ، قال تعالى( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا )فجعل الصحبة موطن سكينة وأمان.
وحذر سبحانه من صحبة لا تقوم على الصدق والتقوى فقال (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)
ولهذا يشعر أصحاب النفوس الكريمة بالوحشة إذا غاب الصديق الصدوق فالروح خلقت لتأنس بروح تشبهها
وقد صدق الشاعر حين قال:
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها
صديق صدوق صادق الوعد منصفا
في حياتي بحثت طويلا عن الصديق في المسجد وفي المكتبة وفي الحديقة وفي المقاهي لكنني لم أكن أبحث عن أماكن بل عن طمأنينة لا ترى.
في إحدى المرات التقيت بشخص في مكتبة جرير كان يختار كتاباً كما أفعل أنا ، شعرت أن بيننا احتمال بداية صداقة فتقدمت وتعارفنا وتبادلنا الأرقام واتفقنا على لقاء في كافيه في وقت محدد ، ذهبت في الموعد وجلست أنتظر ، مر الوقت ببطء واحتسيت القهوة وحدي ثم أرسلت رسالة واتصلت به ، كان هناك اعتذار وتأجيل ثم تكرر الأمر مرة أخرى حتى أدركت بهدوء أن بعض البدايات لا تكتمل فتركت الأمر دون ضجيج.
وفي المسجد تكرر لقاء آخر بدا واعداً في بدايته لكنه لم يكتمل كما توقعت فابتعدت بهدوء.
وتجارب أخرى مرت سريعاً تلمح فيها احتمال الصداقة ثم تتلاشى قبل أن تتشكل ملامحها ومع مرور الوقت عدت إلى حياتي الخاصة بين الأهل أحاول أن أستقر نفسيا ، لكن شيئا داخلي بدأ يثقل بصمت فقلت ربما أكون أنا صديق نفسي!!
فانسحبت قليلاً إلى العزلة الهادئة أقرأ وحدي أذهب إلى المسجد وحدي وأقضي وقتي في سكون يشبه التأمل.
ثم جاءت لحظة شعرت فيها أن العزلة بدأت تأخذ أكثر مما تمنح ، الوحدة لم تعد راحة بل أصبحت سؤالا يطرق الداخل بلطف مؤلم.
فقلت لنفسي لا بد أن أعود للحياة من جديد دون أن أضيع نفسي في عزلة كاملة أو انشغال لا أشعر فيه بذاتي ، فالإنسان لا يخلق ليعيش وحده ولا ليذوب في الآخرين دون أن يبقى حاضرا مع نفسه.
صرت أتنقل بين بعض الأماكن العامة أبحث عن صداقة لا تصنع بسرعة بل تنمو بهدوء ، لكنني بدأت أدرك أن الناس مشغولون بحياتهم وأن لكل إنسان عالماً داخلياً لا يفتح بسهولة للآخرين.
وهنا أدركت درساً بسيطاً وعميقاً في الوقت نفسه،
لا يمكن أن نشتري الصداقة ولا أن نطلبها مكتملة ولا أن نختصرها في موعد أو رقم هاتف.
الصداقة الحقيقية تبنى ببطء من تكرار اللقاء ومن الصمت المريح ومن اللحظات الصغيرة التي تصنع المعنى دون تخطيط.
ومع ذلك ما زال في القلب شيء يقول:
ربما يأتي صديق واحد في وقت لم أعد أبحث فيه بهذه العجلة.
لم أعد أبحث عن كثرة تؤنسني بل عن صدق يطمئنني
فالإنسان لا يكتمل بالعدد بل بالمعنى وربما كان أعظم ما نتعلمه في رحلة البحث عن الصديق أننا نبحث في النهاية عن أنفسنا أيضا.
ومع كل هذا البحث بقي يقين واحد يهدأ به القلب
أن الصديق الحقيقي لا يصنع ولا يشترى ولا يستعجل
بل يهدى حين يصبح الإنسان مستعدا لأن يلتقي به.
بعد التقاعد والعودة اكتشفت حقيقة لم أكن أراها بوضوح من قبل ، كلما اتسع وقت الإنسان ضاقت دائرة الناس حوله ، وفجأة يصبح الصديق حاجة يومية لا رفاهية عابرة.
وجدت نفسي أكثر احتياجاً إلى صديق متناغم معي يفهم صمتي قبل كلامي ويشاركني لحظات الحياة البسيطة دون تكلف.
بحثت كثيراً حاولت أن أبدأ صداقات جديدة اقتربت وتراجعت وتكررت المحاولات لكنني أدركت أن الصداقة في هذا العمر ليست سهلة كما كانت في البدايات الأولى من الحياة.
عندها فهمت درساً متأخراً لكنه صادق ، أصدقاء الطفولة ليسوا مجرد ذكريات بل هم ثروة إنسانية حقيقية.
هم الذين عرفوك قبل المناصب وقبل الانشغال وقبل أن تتغير الملامح وتثقل التجارب القلب.
معهم لا تحتاج إلى شرح نفسك ولا إلى تقديم سيرة ذاتية ولا إلى إثبات من تكون.
لهذا أصبحت نصيحتي الصادقة لكل من يقرأ هذا المقال ، حافظوا على أصدقاء الطفولة ، لا تسمحوا لانشغال الحياة أن يقطع الخيط القديم بينكم.
اتصلوا بهم اسألوا عنهم اجتمعوا ولو قليلاً ، فقد يأتي يوم يهدأ فيه صخب الحياة وتكتشفون أن أجمل ما تبقى لكم ليس المال ولا الإنجاز بل صديق قديم يعرفكم كما أنتم.
فالصداقة الحقيقية لا تبدأ دائماً من جديد ، أحيانا تكون موجودة منذ زمن طويل لكنها تنتظر فقط أن نعود إليها
وربما لم أكن أبحث عن صديق فقط، بل عن شاهد يمشي معي ما تبقى من الطريق.
نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب