في عالمٍ تجاوز تشابه الوجوه إلى تشابه الأقنعة؛حيث أصبح الإنسان يلبس الفكرة كما يلبس الثوب، ويغيّر قناعاته كما يغيّر نبرة صوته؛ حتى لم نعد نعرف: من يتكلم؟
ونتيجةً لذلك؛ غدتْ الأرواح نسخاً متكرّرة، لا نكاد نميّز فيها صوت الإنسان من صدى الجماعة؛ فترى الوجوه كثيرة، لكن الأفكار قليلة، وتسمع الآراء مرتفعة، لكن المعاني منخفضة؛ وكأن العالم امتلأ بالكلام حتى فرغ من الحقيقة.
إنه حين نعجز عن تمييز البشر؛ فنحن لا نقف فقط أمام تشابه الوجوه والعبارات، بل أمام سؤالٍ أعمق: هل تشابه الناس فعلاً، أم أنّنا نحن تعبنا من محاولة التفريق بينهم؟
أحياناً يكون قولنا “إن البشر تشابه علينا” ليس وصفاً دقيقاً للناس، بل اعتذاراً لأنفسنا؛ كي نتوقّف عن خوض معارك الفهم والمواجهة والتمييز.
فالتفريق بين الناس يحتاج جهداً في النظر، وصدقاً في الحكم، وشجاعة في اتخاذ الموقف، بينما التشابه يريحنا؛ لأنه يعفينا من مسؤولية الاختيار والاصطفاء.
صحيح أن المواقف تتكرر، والطباع تتشابه، والإنسان يظن أنه يرى أشخاصاً متشابهين، بينما هو في الحقيقة يرى القصة نفسها بأبطالٍ مختلفين.
ووفق هذا التصور؛ نجد أنفسنا نقف بين منطقتين، الأولى: أن الناس ليسوا نسخاً مكررة تماماً، والثانية: أننا لا نتوهّم التشابه فقط.
ولعلّ الحقيقة تكمن في نقطة بين هاتين المنطقتين، فهناك من تشابه؛ لأنه خاف أن يكون مختلفاً، وهناك من قال أن الناس متشابهون؛ لأنه تعب من اكتشاف اختلافهم.
فالاختلاف متعب؛ لأنك ستُصدم، وستُخيَّب، وستُجبر على إعادة تقييم الناس مرةً بعد مرة.
أما التشابه فمريح؛ لأنك حين تقول أن الجميع متشابهون؛ فأنت لن تتوقع كثيراً، ولن تنصدم كثيراً، ولن تواجه أحداً كثيراً.
لكن الخطر في هذه الفكرة أنها قد تجعلنا نفقد القدرة على رؤية الإنسان الحقيقي.
فليست كل الناس نسخة واحدة، وليست كل القلوب متشابهة، لكن التعب من الحياة، وكثرة المواقف، وتكرار الخيبات؛ تجعل الإنسان يميل إلى حكمٍ عامّ يختصر به العالم كله في جملة:
“إن البشر تشابه علينا”
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@
الحلقات السابقة من روشتة وعي