في كل مرة نعود فيها إلى تراثنا الإسلامي، نكتشف أن كثيرًا من القضايا التي نعيشها اليوم قد عالجها الإسلام منذ قرون، ولكن بروح أعمق وتوازن أدق. ومن هذه القضايا مسألة النقود ودورها في حياة الناس، حيث يكشف لنا النظر في صدر الإسلام أن الاقتصاد لم يكن قائمًا على العملة وحدها، بل على منظومة متكاملة من القيم والتشريعات.
لقد جاء الإسلام ليضبط التعامل المالي قبل أن يغير أدواته، فجعل العدل أساسًا، ومنع الظلم، وحرّم أكل أموال الناس بالباطل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (النساء:29). وهذا يبين أن جوهر النظام الاقتصادي في الإسلام ليس في شكل النقود، بل في عدالة التعامل بها.
لم تكن النقود عند العرب قبل الإسلام تمثل نظامًا اقتصاديًا مستقلاً، بل كانت من وسائل التبادل بينهم إلى جانب المقايضة. وكانوا يتعاملون بالذهب والفضة وزنًا، أو يتبادلون السلع مباشرة بحسب حاجاتهم، مما يعكس بساطة النظام الاقتصادي آنذاك.
وفي عصر النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن للمسلمين عملة خاصة بهم، بل استخدموا العملات السائدة، وعلى رأسها الدينار البيزنطي الذهبي، والدرهم الساساني الفضي. وكان الدينار يُستخدم في المعاملات الكبرى، بينما كان الدرهم أكثر تداولًا في الأسواق اليومية.
ومع ذلك، لم يجعل الإسلام النقود محور الحياة، بل أبقاها وسيلة ضمن منظومة أوسع، وهو ما يظهر في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران:185)، تأكيدًا على أن المال ليس غاية، بل أداة مؤقتة.
وقد ورد ذكر النقود في السنة النبوية في سياق تربوي يضبط علاقة الإنسان بها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تَعِسَ عَبْدُ الدينار، تَعِسَ عَبْدُ الدرهم، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيصَة، تعس عَبْدُ الخَمِيلَة… الحديث) رواه البخاري في صحيحه. وهذا الحديث يبين أن الخطر الحقيقي ليس في وجود المال، بل في تعلق القلب به، حتى يتحول من وسيلة إلى غاية.
كما دخلت النقود في الأحكام الشرعية، مما يدل على حضورها في حياة المسلمين، فقد استُخدمت في المهور، والزكاة، والديات. ومن ذلك صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه، حيث كان نحو اثنتي عشرة أوقية ونشًّا، والنش نصف أوقية، مما يعكس دقة النظام المالي وضبطه بالمقادير.
ومع اتساع الدولة الإسلامية في العصر الأموي، برزت الحاجة إلى عملة مستقلة تعبر عن سيادة الدولة وهويتها، فقام الخليفة عبد الملك بن مروان سنة 77 هـ بسك أول دينار ودرهم إسلامي، واستُبدلت العملات الأجنبية بنقد يحمل طابعًا إسلاميًا، كُتبت عليه عبارات التوحيد. وكان هذا التحول خطوة حضارية مهمة، لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل حملت بعدًا سياسيًا وثقافيًا، حيث أصبحت النقود تعبر عن استقلال الدولة وتنظيمها المالي.
إن التأمل في هذا المشهد يكشف أن الإسلام لم يجعل المال محور الاقتصاد، بل جعله جزءًا من منظومة أوسع تقوم على العدل والتكافل، كما قال تعالى في مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (التوبة:60)، ليؤكد أن المال وسيلة لتحقيق التوازن الاجتماعي.
وهنا يظهر الفرق بين الرؤية الإسلامية والرؤية المادية الحديثة؛ فبينما جعلت بعض النظم الاقتصادية المال غاية، جاء الإسلام ليعيده إلى موضعه الطبيعي: وسيلة لا غاية، وأداة لا مركزًا للحياة.
فلنحذر أن تتحول النقود من وسيلة في أيدينا إلى قيد في قلوبنا، وأن ننشغل بها عن مقاصدها. فالقيمة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيما نقدم، وليس في رصيد الحساب، بل في رصيد العمل الصالح. ولنتذكر دائمًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” تَعِسَ عَبْدُ الدينار”، حتى لا نكون ممن امتلكوا المال فامتلكهم.
د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش
باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل
الثلاثاء12 شوال1447هـ
مقالات سابقة للكاتب