غفلة السادة

🖋️ اليوم تتسع الحياة وتضيق النفوس، يقل التغافل ويكثر التدقيق، تتناقص الفضائل شيئًا فشيئا، وتنحل الأواصِر حتى تضعف وتتلاشى؛ فيبدو الزمان مريضا على سلامته.!

و لبّ الحقيقة سقمُ القلوب، وصلابةُ التعامل، وغلاظةُ الأخلاق، ومن مرض داخله فلا ينام عن زلة ولا يتغاضى عن هفوة، ويجد مرارةً في أيامه ولو تُساق حلاوتها إلى فِيه بلا أدنى مشقة منه؟!

إن من بثَّ عيونه في كل علاقاته، وأقام رقابته على حركات وسكنات الأهل والخلان والأحبة، سيذوب كل شيء أمامه ويبقى حليف وحدته، وسينفر من حوله من ليس النفور طبعا فيه!

التشدد في التعامل مع الناس لا يأتي بخير و لا يعقبه نفع، وما أصدق ما قاله أكثم بن صيفي: “من تشدّد فرّق، ومن تراخى تألف، والسرور في التغافل”.

(السرور في التغافل) في العبارة مدخل ومنهج لكل من يريد راحة البال وانشراح الخاطر ، فلتغض الطرف لتكتحل بالطمأنينة ..!

اعرض عن كلمة سوء قيلت في حقك وعن فعل ضاقت منه نفسك، وتغابى لتنعم بغفلة السادة، فقد قال إبراهيم النخعي رحمه الله:
“كان السّلفُ يكرهون أخلاق التجّار، والنظر في دقائق الأمور، وكانوا يحبّون أن يُقال في الرجل: (فيهِ غفلةُ السّادة).

و سادة القوم يتعمدون الغفلة والقصد هنا التغافل، والفرق بينهما دقيق، فـ “الغَفلةُ: غَيبةُ الشَّيءِ عن بالِ الإنسانِ وعَدَمُ تذكُّرِه له،أمـا التَّغافُلُ: هو وَضعُ الغفلةِ في موضِعِها الذي يُذَمُّ فيه البحثُ والتَّقَصِّي؛ فهو فَهمٌ للحقيقةِ، وإضرابٌ عن الطَّيشِ، واستعمالٌ للحِلمِ، وتسكينٌ للمَكروهِ “

ومما قاله الأكثم «الكرم حسن الفطنة وحسن ‌التغافل، واللؤم سوء الفطنة وسوء ‌التغافل».

تَغافَل في الأُمُورِ ولا تُنَاقِش
فيَقطَعُكَ القَرِيبُ وَذُوْ المَوَدهْ

*****

مُنَاقَشَة الفتى تجني عَلَيهِ
وَتُبْدِلُهُ مِنَ الرَاحَاتِ شِدهْ

ثم إن من وضع نفسه مقام الحاجب في العلاقات سيحجب عن نفسه أنس الجلساء، ولذة بساطة الروح!

وتمثل بقول بشار بن برد:

قل ما بدا لَك من زورٍ ومن كذبٍ
حلمي أَصمّ وأذني غير صماء

درب هذه النفس على التغافل ولا تجهدها بالترصد والترقب والنظر في دقائق الأمور وجنب نفسك التعب والكدر .

ولقد أصمّ عن الكلام ‌تغافلاً
لأُنزّه الأسماع عن فحشائه

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *