مرتزقة الكلمة

في إحدى ساحات المحاكم، وقف شاب في مطلع الثلاثينات يواجه تهمة التشهير، بعدما تسبب مقال له في انهيار سمعة أحد التجار المحليين.

لم يكن المقال مبنيًا على وقائع دقيقة، بل كان حفنة كلمات مدفوعة الثمن، نُسجت بعناية لخدمة مصالح جهة مجهولة.

ومع كل كلمة كُتبت، كانت هناك عائلة تتألم، وأطفال يعجزون عن تفسير نظرات الشك من الجيران. فحين تتحول الكلمة إلى سلاح مأجور، فإن الضحايا لا يُحصَون.

مرتزقة الكلمة هم أولئك الذين يبيعون ضميرهم على عتبة المصالح الشخصية أو المؤسسية، مقابل ثمن قد يكون مالًا، نفوذًا، أو حتى وهمًا بالشهرة. إنهم لا يكتبون لنقل الحقيقة، بل لتضليلها؛ لا يبحثون عن المعنى بل عن التأثير المدفوع مسبقًا. ولأن للكلمة وزنًا، فإن أثرها لا يُقاس بسطر أو فقرة، بل بما تحمله من ترددات في حياة الآخرين.

هؤلاء المرتزقة لا يحملون سلاحًا تقليديًا، ولكن كلماتهم قد تهدم سُمعة، تشتت رأيًا عامًا، تزرع الفتنة في نفوس كانت متماسكة. يتسللون عبر أعمدة الصحف، منصات التواصل، أو حتى عبر خطاب رسمي، ويُلبسون الكذب ثوبًا بلاغيًّا أنيقًا، ليصير مقبولًا لدى من لا يحسن التمحيص. وفي غياب المصداقية، تتحول المجتمعات إلى بيئة خصبة للشائعات والريبة، حيث يصبح الفرد مشكوكًا في نواياه مهما بلغت نزاهته.

الأثر الأخطر يكمن في تطبيع هذا النمط من الكتابة، حيث تبدأ الأجيال الجديدة في تقبل الانحرافات اللغوية والمنطقية، وتغيب البوصلة الأخلاقية عن ساحات التعبير. فحين تُقتل الحقيقة بالكلمة، يصبح الخوف من الصدق عادة، ويُزهد في البحث، وتُختصر القضايا في عناوين صاخبة بلا مضمون. وهكذا تتآكل الثقة بين أفراد المجتمع، ويخبو وهج الحوار البنّاء، ويعلو صوت الشعارات على الحقائق.

لا يقتصر خطر مرتزقة الكلمة على مستوى الأفراد فقط، بل يمتد إلى المؤسسات التي تعاني من تشويه غير مبرر، والجهات التي تُستهدف لأسباب خفية، والدول التي يُختزل تاريخها في تغريدة مشبوهة. وفي هذا الزيف المتراكم، يضيع الحق، وتختلط الأصوات، فلا يُفرّق بين صادقٍ ومزيّف، ولا بين ناصحٍ ومؤجّج.

في زمنٍ يتكئ على الكلمة كأداة للتوجيه والتأثير، تصبح مسؤولية كل كاتب، قارئ، وناشر، أن يرفض الإرتزاق، ويحتكم للضمير قبل القلم، وللقيم قبل البلاغة. لأن الحبر الذي يلوثه الكذب، لا ينفع في كتابة مستقبل نقيّ.

✅ خارج نص المقال :
لـ مصطفى لطفي المنفلوطي :

المستميت لا يموت والمستقتِلُ لا يُقتل, ومن يهلك في الإدبار أكثر ممن يهلك في الإقدام, فإن كنتم لا بد تطلبون الحياة فانتزعوها من بين ماضغي الموت .

 

 

فايز حميد البشري

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “مرتزقة الكلمة

احمد النجعي

مقال رائع في الصميم يستحق النشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *