في المعنى (٢) .. “العقل أم اللغة أيهما أولا”

الإنسان بوصفه كائنا رمزيا ليست اللغة مجرد وسيلة للتواصل، بل نافذة العقل على العالم ، فمنذ اللحظة التي ينطق فيها الطفل بكلمته الأولى، يتغير شيء جذري في داخله: يبدأ بتصنيف الأشياء، وربطها، وتذكرها، ثم تخيّل ما لم يره بعد.

“اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي شكل من الحياة، ولا يمكن فهم المعنى إلا في سياق الممارسة” فتغنشتاين.

لكن: ماذا لو لم يتعلّم لغةً قط؟ ماذا لو عاش الإنسان كاملًا دون كلمة، دون جملة، دون صوت بشري؟

هناك حالات موثقة لأطفال نشأوا في عزلة عن اللغة، مثل:
جيني : فتاة لم تسمع كلمة واحدة حتى سن 13، رغم محاولات مكثفة لتعليمها، لم تتمكن أبدًا من تشكيل جمل صحيحة نحويًا، وظلت قدراتها المعرفية بدائية.

فيكتور “طفل الغابة” في فرنسا، عاش في عزلة تامة ، لم يظهر عليه أي أثر للتفكير الرمزي أو التحليل المنطقي
، فالدماغ البشري يحتاج اللغة ليعمل ، من دونها، يبقى الإنسان بيولوجيًا بشريًا، لكن إدراكيًا في مستوى لا يختلف كثيرًا عن الحيوان الأعلى.

لنتخيل معًا: في عزلة تامة ، وُضع مئة طفل بشري في بيئة آمنة، لكن دون وجود أي لغة بشرية منقولة إليهم. لا حديث، لا قراءة، لا كتابة. فقط أصوات الطبيعة، وفي جهة أخرى، نضع طفلًا وحيدًا في عزلة تامة، لكنه تجاوز المرحلة الحرجة لتعلّم اللغة (سن 6–7 تقريبًا) وقد بدأ الكلام فعلا..

نسأل:
هل يتطور تفكير المئة دون لغة؟
وهل سيكون الطفل الوحيد — بعد عشرين عامًا — أكثر قدرة على التفكير منهم؟

أيهما أهم لنمو العقل: العلاقات الاجتماعية، أم اللغة؟

عن اللغة والعقل — من يلد من؟

النقاش القديم بين الفلاسفة والعلماء يدور حول سؤال بسيط في ظاهره:

هل نولد بعقلٍ قادرٍ على التفكير قبل اللغة؟ أم أن اللغة هي التي تخلق هذا “العقل المفكر” فينا؟

“اللغة خاصية بيولوجية فطرية في الإنسان، وهي جزء من التكوين العقلي الذي يولد به الطفل، وتُسمّى ‘القواعد الكونية” تشاومسكي.

العقل في جوهره حيويّ، لكنه لا يُفعل إلا عندما يدخل نظامًا رمزيًا.
واللغة ليست مجرد وسيلة شرح، بل هي أداة بناء المفاهيم وتجريدها وتثبيتها.

في فرضيتنا السابقة ، يعيش مئة طفل دون لغة. يتفاعلون، يلعبون، يتصارعون. لكن: هل تنشأ قدرات عقلية معقدة من هذا التفاعل وحده؟ الإجابة على ضوء الأدلة: لا، إلا إذا اخترعوا لغة.

العلاقات الاجتماعية تولّد انفعالات، عادات، تآلفًا… لكنها لا تولّد رمزية.

ما يجعل العقل إنسانيًا هو قدرته على التفكير فيما ليس حاضرًا، واستحضار ما لم يقع بعد. وهذا لا يكون إلا عبر اللغة.

إذا اخترع هؤلاء الأطفال إشارات ثم رموزًا ثم تركيبًا، فسيبدأ العقل لديهم بالنمو تدريجيًا.

وإلا فسيبقون في مستوى من الإدراك لا يختلف كثيرًا عن القردة العليا.

أما عن الطفل الوحيد… هل هو أذكى؟
ربما يكون أقل سلوكًا حيوانيًا من أطفال الجماعة، لأنه لا يشاركهم الصراع أو التقليد. لكن من حيث التحليل، والربط، والتخطيط، والتصنيف، والذاكرة الزمنية، فهو في الأغلب:
لن يتفوق عليهم إلا إذا تلقى لغة (حتى ولو جزئية) في وقت مبكر كما في الفرضية .

وإلا فالعزلة المزدوجة (عن الناس وعن اللغة) ستتركه في سبات إدراكي أشد منهم.فدخول النظام الرمزي(اللغة) ولو بقدر بسيط سيشكل فارقا نسبيا للطفل

ما الذي تصنعه اللغة في العقل؟
تنظّم الزمن: ماضٍ، حاضر، مستقبل.

تمكّن من التخيل: ما لم يحدث بعد، أو لم يوجد أصلاً.

تحوّل الحواس إلى مفاهيم، والعلاقات إلى رموز، والرموز إلى معرفة قابلة للنقل والتراكم.

العقل يتفاعل مع العالم، لكن اللغة تحوّل هذا التفاعل إلى وعي. بدونها، تبقى كل لحظة منفصلة عن الأخرى، وكل فعل ردّ فعلٍ مباشرًا.

العقل حين تغيب اللغة
تخيّل عقل الإنسان في غابة بلا لغة. إنه لا يتوقف عن استقبال الأصوات والروائح والألم والجوع، لكنه لا يستطيع أن يصوغ “أنا”… ولا “لماذا”، ولا “غدًا”، ولا “أنا وأنت”… يعيش اللحظة، لكن لا يستطيع أن “يعقل” اللحظة.

فهل يمكن لعقل كهذا أن يُسمّى عقلًا إنسانيًا؟
ربما… لكن الإنسان لا يُولد إنسانًا كاملاً، بل يُصاغ. واللغة — لا غيرها — هي القالب الأول.

 

 

مروان عبدالعليم الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

3 تعليق على “في المعنى (٢) .. “العقل أم اللغة أيهما أولا”

أحمد بن مهنا الصحفي - اللجنة الثقافية بمحافظة خليص

موضوع كبير يا أستاذ مروان !
يحتاج مقالات متتابعة .. وقد لخصت بإجادة نقاطا مثيرة للتفكير بقوة في هذا الأمر ، وكذلك للبحث فيه، ويغلب في ذهني( سابقا ) أن اللغة عقل والعقل لغة.. فلن يُتمكن من التفكير من دونها ، ولافائدة منها بلا عقل! ومن الأمثلة البسيطة فقد رأيت من الطلاب في نهاية المرحلة الابتدائية أو هم دخلوا في المتوسطة من يستعين بأصابعه ليجمع رقمين ! لايملك اللغة المعينة وتبعا لم يستطع توظيف الفكر !
وصلة اللغة بحيتة الإنسان عجيبة فعلا ! وقد قال علماء البلاغة إن المجاز أفضل من الحقيقة أحياناً، وأن الكناية أبلغ في الإفصاح، وأن الاستعارة أقرب من التصريح .. فمتى هذه الأحيان ومن يحددها ؟
مقالتك يا أستاذ مروان تصلح لحلقات نقاش في مجلس ثقافي دوري يستمر … يقوده مثلك .

مروان

استاذي الفاضل
حقيقة أنا اخجل أن أكتب عن اللغة في حضرتك وأنت استاذ لجيل كامل..
هذا مقال وقد سبقه أخر وسيعقبه مقال أخير في فلسفة اللغة ، عن اللغة وأثرها على العقل والتفكير ، و اللغة و أثرها الدلالي
هي محاولة وتأمل لا أكثر وشكرا لحضورك

أحمد بن مهنا

أنت مبدع .. ومتميز مذ كنت طالبا .. وأنا الآن أكتسب المعرفة من مقالاتك القيمة .. دمت موفقا أستاذ مروان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *